واحدا، فيراد بالوحدة نفي التبدّل والاختلاف، ويجوز أن يريدوا أنّها ضرب واحد لأنّهما معا من طعام أهل التلذّذ والترف، ونحن قوم فلاحة فما نريد إلّا ما ألفناه وضربنا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول وغير ذلك. [1] إنّ أحوال أولئك القوم وطبيعة معاشهم قبل الإنعام عليهم بالمنّ والسلوى، وبعد الإنعام عليهم يفسّر العلاقة بين الوصف والموصوف (طعام واحد) .
ومن أشكال الاتساق، الاتّساق الموضوعي، فالآية (189) يتوزّعها موضوعان: حديث عن الأهلّة والحكمة منها، وحديث عن البرّ، ورغم بعد ما بين الموضوعين فقد تمّ عطفهما بالواو ممّا يفرض السؤال عن وجه الاتّصال، ويلجأ الزمخشريّ إلى إجراءين لحلّ هذه المشكلة الإجراء الاول: أن يلجأ إلى أسباب النزول (المقام) ويرى أنّ لهذه الآية سببي نزول، أولهما: سؤال لمعاذ بن جبل وثعلبة بن عنم عن حال الهلال المتغيّرة، والثاني متعلّق بممارسة ناس من الأنصار أثناء الحج، وهما معا سببان واردان، وأمّا الإجراء الثاني فهو البحث عن الاتّساق من داخل النّص يقول: = ويجوز أن يجري ذلك عن طريق الاستطراد لمّا ذكر أنّها مواقيت للحجّ لأنّه من أفعالهم في الحج، ويحتمل أن يكون هذا تمثيلا لتعكيسهم في سؤالهم، وأنّ مثلهم فيه كمن يترك باب البيت ويدخله من ظهره ثم قال (وائتوا البيوت من أبوابها) أي وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا = [2] .
ومن ضروب التناسب التي يهتمّ بها المفسّرون الاتّساق بين النصّ والفاصلة القرآنية. ويقف الزمخشري عنده بشكل متكرّر، خاصّة إذا لم يكن هناك علاقة واضحة بين الآية وفاصلتها، فمثلا في تفسيره للآية (23) يسأل ما معنى = وأنتم تعلمون =. ويجيب: = بأنّ أولئك العرب من ساكني الحرم من قريش وكنانة كانوا من التدبير والدهاء والفطنة بمنزلة عالية، ومع ذلك هم ما هم عليه من جعل الأصنام لله أندادا، وهو غاية الجهل، ونهاية
(1) الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز، 1/ 155.
(2) الكشاف، 1/ 234.