تسهم في اتساق النّص وذلك بالاستضاءة بالمقام. وهذا يذكرنا بقولة السيوطي عن هذه الحروف والأدوات: = اعلم أنّ معرفة ذلك من المهمّات المطلوبة لاختلاف مواقعها، ولهذا يختلف الكلام والاستنباط بحسبها = [1] .
ومن أمثلته كذلك في تفسير الفيروزآبادي للآية (23) قال: قوله {= فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ =} بزيادة من هنا، وفي غير هذه السورة بدون (من) لأنّ (من) للتبعيض، وهذه السورة سنام القرآن، وأوّله بعد الفاتحة فحسن دخول (من) فيها ليعلم أنّ التحدي واقع على جميع سور القرآن من أوّله إلى آخره = [2] . وإذن فليس معنى الأداة فقط هو ما له أهميّة خاصة بل موقع الأداة في النصّ وغرض الخطاب، هما ما يحدّد دلالة هذا النّص ومراميه.
ومنه كذلك قوله = فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف = في الآية (234) ، وقال في الآية (240) من السورة نفسها = من معروف = باختلاف حرف الجرّ بين (الباء) و (من) قيل: = لأنّ تقدير الأوّل (فيما فعلن في أنفسهن بأمر الله وهو المعروف، والثاني فيما فعلن في أنفسهن من فعل من أفعالهن معروف) ، أي جاز فعله شرعا = 2.
فاختلاف المقصدية واختلاف التوجيه ناسبهما اختلاف الأداة، ومنها كذلك قوله تعالى {= وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئََاتِكُمْ =} في الآية (271) بزيادة (من) = موافقة لما بعدها لأنّ بعدها ثلاث آيات فيها (من) على التوالي وهو قوله: = وما تنفقوا من خير ثلاث مرات = 3.
ومناسبة الأداة هنا مرتبط بالاتساق الداخلي للنصّ مباشرة وقد عبّر المفسّر عن معنى المناسبة بقوله (موافقة) . وكذلك نظروا في دقّة دلالة الوصف على الموصوف من خلال المقام، ففي تفسير الآية = لن نصبر على طعام واحد = يرى الزمخشري أنّه أريد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل وليس بمعنى ما هو عكس الاثنين، ويستشهد على ذلك بأنّه لو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كلّ يوم لا يبدّلها، قيل: لا يأكل فلان إلّا طعاما
(1) الإتقان، 1/ 309.
(2) الفيروزآبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب، ت (817هـ) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، ط 1، تحقيق الاستاذ محمد علي النجار، دار الباز للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، 1974، 1/ 26.