فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 509

ويؤدّي الحذف دورا مهمّا في صنع التناسب في النصّ القرآني، ومنه قوله تعالى: {= كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللََّهِ =} قال الرازي = فيه حذف. والمعنى فقلنا لهم أو قال لهم موسى كلوا واشربوا وإنّما قال كلوا لوجهين: أحدهما لما تقدم من ذكر المنّ والسلوى فكأنّه قال: كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب، واشربوا من هذا الماء. والثاني: أنّ الاغذية لا تكون إلّا بالماء، فلمّا أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب = [1] . فالحذف علامة داخل النّص، تحيل إلى معلومات سابقة، فالعنصر المحذوف موجود في جزء سابق من النّص أو موجود في معرفة القارئ وذهنه أو موجود في سياق المقام (السياق الخارجي) ، أو موجود في سياق الثقافة وفي كلّ الحالات حين يحدث الحذف فإنّ الجزء المحذوف مفهوم ضمنا للقارئ، وذكره مرّة أخرى يخلخل الاتساق، ومن هنا اعتبر الحذف أحد الروابط في اتّساق الخطاب.

ومن أمثلة الحذف كذلك ما جاء به الطبري في تفسيره للآية (17) يقول: = فإن قال لنا قائل: إنّك ذكرت أنّ معنى قول الله تعالى = {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نََارًا فَلَمََّا أَضََاءَتْ مََا حَوْلَهُ} = خمدت وانطفأت وليس ذلك بموجود في القرآن فما دلالتك على أنّ ذلك معناه؟

قيل: قد قلنا إنّ من شأن العرب الإيجاز والاختصار إذا كان فيما نطقت به الدلالة الكافية على ما حذفت وتركت = [2] . إنه السياق يترك بعض الفراغات ولكنّها تكون مملوءة بالنسبة للقارئ، فالمقال يكمل بعضه بعضا، وهو ما يعبّر عنه في علم الدلالة بالسياق الضمني.

ومن أمثلته كذلك ما نجده عند أبي جعفر الطوسي في تفسيره للآية {= وَأَغْرَقْنََا آلَ فِرْعَوْنَ =} قال: قوله {= وَأَغْرَقْنََا آلَ فِرْعَوْنَ =} [3] . وإن لم يكن في ظاهره أنّه أغرق فرعون فهو دالّ عليه، وكأنه قال: = وأغرقنا آل فرعون وهو معهم وأنتم تنظرون = فاختصر لدلالة

(1) تفسير الرازي، 3/ 97.

(2) نفسه، 3/ 267.

(3) سورة البقرة، الآية (50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت