فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 509

وجعل الخبر فعلا مضارعا يدلّ عندهم على التجدّد والتكرّر، فهو أبلغ في النسبة من الاستهزاء المخبر به في قولهم، ثمّ في ذلك التنصيص على الذين يستهزئ الله بهم إذ عدّى الفعل إليهم فقال: {= يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ =} وهم لم ينصّوا حين نسبوا الاستهزاء إليهم على من تعلّق به الاستهزاء، فلم يقولوا إنّما نحن مستهزءون، وذلك لتحرّجهم من إبلاغ ذلك للمؤمنين فينقمون ذلك عليهم، فأبقوا اللفظ محتملا، أن لو حوكموا على ذلك لكان لهم مجال في الذبّ عنهم أنّهم لم يستهزءوا بالمؤمنين. ألا ترى إلى مداراتهم عن أنفسهم بقولهم {= آمَنََّا بِاللََّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ =} [1] . وهنا يبرز أكثر من عنصر على أكثر من مستوى فاختيار طريقة صياغة النّص تتّصل بالمستوى التداولي = عظم شأن المؤمنين وعلوّ منزلتهم =، و = التفخيم العظيم = = التحرّج = ويتّصل بالغرض وهو التأثير، ثم الارتباط التام بالموقف الذي دار في السياق الخارجي من حيث أنّ الإدراكات والعواطف والأفكار التي كانت تحتمل في نفوس المخاطبين تبدّت في النصّ، من خلال أسلوب المقابلة والافتتاح واستخدام الفعل المضارع، أي تبدّت في أثر واضح على المستوى السطحي للخطاب.

ومن صور التناسب كذلك ما يتّصل بتركيب الجملة وانظر إلى إشارة الرازي إلى هذا في تفسيره للآية = {يََا أَيُّهَا النََّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} = قال: = وأمّا كلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها، ففيها فائدتان: الأولى:

معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه، والثانية: وقوعها عوضا مما يستحقّه أي من الإضافة وإنّما كثر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة لاستقلاله بهذه التأكيدات والمبالغات، فإنّ كل ما نادى الله تعالى به عباده من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد، واقتصاص أخبار المتقدّمين بأمور عظام، وأشياء يجب على المستمعين أن يتيقّظوا لها مع أنّهم غافلون عنها، فلذا وجب أن ينادوا بالأبلغ الآكد = [2] . وهنا يبرز دور السامع أو القارئ بوضوح داخل التراكيب والأساليب في النصّ. وكل ذلك مرتبط كذلك بهدف النّص وهو هنا التأكيد والتنبيه.

(1) أبو حيان الأندلسي: محمد بن يوسف، البحر المحيط في التفسير، بعناية الشيخ عرفات العشا حسونة، ط 3، دار الفكر للنشر والتوزيع، بيروت / لبنان، 1992، 1/ 115.

(2) تفسير الرازي، 3/ 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت