ومن أمثلة المناسبة بين الأسلوب والمقام ما نراه عند ابن قيم الجوزية في (بدائع التفسير) في تفسيره للآية {= أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ =} قال: = وقوله تعالى: {= أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ =} أخرجه مخرج الاستفهام الاستنكاري، وهو أبلغ من النفي والنهي وألطف موقعا كما ترى غيرك يفعل فعلا قبيحا فتقول له: لا يفعل هذا عاقل، أيفعل هذا من يخاف الله والدار الآخرة؟ = [1] فالموقع (السياق) هو الذي يجعل أسلوب الاستفهام الاستنكاري أنسب من غيره من الأساليب في هذه الآية، ثمّ نلاحظ مقارنة هذا السياق مع خطابات الناس ثمّ السؤال عمّا يفترض أن يقال في خطاباتهم في سياق ممايل، ليعضّد أنّ الآية جاءت لتخاطب الناس في مثل ما اعتادوا في ظروف مشابهة.
وأمّا تناسب النصّ (الآية) مع المقام، ويقصد به المفسرون مقام الخطاب او مقتضى حال الخطاب، فأمثلته كثيرة. فإضافة إلى الأمثلة التي ذكرت سابقا ما نراه عند ابن كثير في تفسيره للآية (33) {= وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا =} يقول: = هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصّه من علم أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنّما قدّم هذا الفصل على ذلك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليقة حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم تعالى بأنّه يعلم ما لا يعلمون، ولهذا ذكر الله هذا المقام عقيب هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليقة حين سألوا عن ذلك فأخبرهم تعالى بأنّه يعلم ما لا يعلمون، ولهذا ذكر الله هذا المقام عقيب هذا، ليبيّن لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم فقال تعالى: {= وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمََاءَ كُلَّهََا =} [2] .
وفي البحر المحيط لأبي حيّان في تفسيره للآيات من (1611) ما يمكن أن يكون مثلا مناسبا هنا يقول: = وفي مقابلة استهزائهم بالمؤمنين باستهزاء الله بهم ما يدلّ على عظم شأن المؤمنين وعلوّ منزلتهم، وليعلم المنافقون أنّ الله هو الذي يذبّ عنهم ويحارب من حاربهم، وفي افتتاح الجملة باسم الله التفخيم العظيم، حيث صدّرت الجملة به،
(1) ابن قيم الجوزية، بدائع التفسير، 1/ 425.
(2) تفسير ابن كثير، 1/ 63.