معنويّتين: أولاهما تعضيد التحديد الذي ابتدأت به الآيتان (23) و (24) ، والثانية جواب عن طعن الكافرين في القرآن، وبهذا المعنى ترتبط الآية بالسابقات إذ إنّها معضّدة لمعناها. ومن خلال الأمثلة السالفة يتّضح أنّ المفسّرين يبحثون في المناسبة بين آية وآية حين يبدو للقارئ أنّ العلاقة بين السابقة وبين اللاحقة منقطعة، ممّا يستوجب تبرير موقع الآية من سالفاتها، ولأجل ذلك يلجئون تارة الى أسباب النزول، وأخرى إلى شرح مطوّل بخلاف ما يفعلون حين تكون العلاقة متجلّية في سطح الخطاب، أو ثاوية في عمقه، على أنّ المناسبة لا تعني آليّا البحث عن العلاقة في المقام، وإنّما قد تستعمل ويقصد بها مجرّد العلاقة بين آيتين (الاتّساق الداخلي) دونما استنجاد بالمقام دائما.
ومن ألوان التناسب الأخرى التي يشيرون اليها المناسبة بين المقام وأسلوب الخطاب، ففي تأويل الرازي لمجيء النهي في الآية الكريمة { (وَلََا تَكُونُوا أَوَّلَ كََافِرٍ بِهِ) } قال:
= بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد والإنكار ممّن قرأ في الكتب نعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم وصفته [1] . واستخدام أسلوب النهي هنا قد اقترن بالهدف أو الغرض من الخطاب وهو (الاستعظام) ، وهو مبني على حوادث المقام وظروفه، وهو كون أولئك المخاطبين قد اطّلعوا على صفة النبيّ في كتبهم فلا ينبغي لهم أن يجحدوها، فضلا عن أن يكونوا أوّل كافر بها.
ومن أمثلة الأسلوب كذلك ما جاء في تفسير الآية {= وَقُولُوا لِلنََّاسِ حُسْنًا =} عند الرازي قال: = يقال لم خوطبوا ب (قولوا) بعد الإخبار؟ والجواب من ثلاثة أوجه: أحدها أنه على طريقة الالتفات، وثانيها فيها حذف أي: قلنا لهم قولوا، وثالثها: الميثاق لا يكون إلّا كلاما كأنه قيل: قلت لا تعبدوا وقولوا [2] . إنّ تأويل أسلوب الأمر بحدوث الالتفات، فيه التفات إلى القارئ، وهو من عناصر المقام الخارجيّ، وتأويله بحدوث الحذف فيه نظر إلى مستوى الدلالة والتركيب، وأمّا التأويل الثالث فمرتبط بالواقعة الخارجيّة تماما.
(1) تفسير الرازي، 3/ 125.
(2) نفسه، 3/ 167.