ينفقوا على الفقراء الذين يقدرون على القتال. و (الثاني) يروى أنه لمّا نزل قوله تعالى {= الشَّهْرُ الْحَرََامُ بِالشَّهْرِ الْحَرََامِ وَالْحُرُمََاتُ قِصََاصٌ =} . قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد، وليس أحد يطعمنا، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن ينفقوا في سبيل الله، وأن يتصدّقوا، وأن لا يكفّوا أيديهم عن الصدقة ولو بشقّ تمرة في سبيل الله فيهلكوا، فنزلت هذه الآية على وفق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم = [1] . ونجد الرازي في كلتا الحالتين يربط هذه الآية بما قبلها بواسطة مقتضى الحال، ففي المقتضى الأول تكون الآية قد نزلت مراعاة للحالة المادية التي عليها المقاتلون، وفي الثاني تكون جوابا عن سؤال سائل يقرر هذه الحالة (أي فقر المقاتل) . وفي هاتين الحالتين تعدّ الآية جوابا عن استفسار مباشر أو غير مباشر فرضه المقام، وهي على هذا النحو تقترح حلا للصعوبة الماديّة التي يجتازها المسلمون (موارد للقتال) .
أما ابن عاشور فنستشهد بتفسيره للآية (26) {= إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا =} قال: (قد يبدو في بادئ النظر عدم التناسب بين مساق الآيات السالفة [9] ومساق هذه الآية فبينما كانت الآية السابقة ثناء على هذا الكتاب المبين، ووصف حاليّ المهتدين بهديه والناكبين عن صراطه وبيان إعجازه، والتحدّي به إذا بالكلام قد جاء يخبر بأنّ الله تعالى لا يعبأ أن يضرب مثلا بشيء حقير أو غير حقير، فحقيق بالناظر عند التأمّل أن تظهر له عدم المناسبة لهذا الانتقال ذلك أنّ الآيات السابقة اشتملت على تحدّي البلغاء بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، فلمّا عجزوا عن معارضة النظم سلكوا في المعارضة طريقة الطعن في المعاني، فتلبّسوا على الناس بأنّ في القرآن من سخيف المعاني ما ينزّه عنه كلام الله ليصلوا بذلك إلى إبطال أن يكون القرآن من عند الله بإلقاء الشك في نفوس المؤمنين [2] . وأهمّ ما نستخلصه من هذا الشرح هو أنّ الآية(26) تقوم بوظيفتين
(1) تفسير الرازي، 4/ 167.
(9) الآية السابقة لها هي: = {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهََارُ كُلَّمََا رُزِقُوا مِنْهََا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قََالُوا هََذَا الَّذِي رُزِقْنََا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشََابِهًا وَلَهُمْ فِيهََا أَزْوََاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهََا خََالِدُونَ} =.
(2) التحرير والتنوير، 1/ 357.