تقريرا لكونه يقينا لا مجال للشكّ فيه [1] . وأمّا المجاورة على مستوى الآيات فيعبّر عنها المفسّرون بألفاظ عديدة منها (التعلّق) ، (التناسب في مساق الآيات السابقة واللاحقة) ، وغيرها. ومن أمثلتها عند الرازي في تفسيره للآية (158) {= إِنَّ الصَّفََا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعََائِرِ اللََّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ =} قال: (إنّ تعلّق هذه الآية بما قبلها من وجوه(أحدها) أنّ الله تعالى يبيّن أنّه إنّما حوّل القبلة الى الكعبة ليتمّ انعامه على محمد صلّى الله عليه وسلم، وأمته، بإحياء شرائع إبراهيم ودينه على ما قاله = ولأتمّ نعمتي عليكم = وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر في قصّة بناء الكعبة، وسعي هاجر بين الجبلين، فلمّا كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية. وثانيها أنّه تعالى لمّا قال: {= وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ =} الى قوله: {= وَبَشِّرِ الصََّابِرِينَ =} . قال:
{= إِنَّ الصَّفََا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعََائِرِ اللََّهِ =} وإنّما جعلهما كذلك لأنّهما من آثار هاجر واستدلّوا بذلك على أنّ من صبر على البلوى، لا بد وأنّ يصل الى أعظم الدرجات، وأعلى المقامات وهل مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبّه على جميع اقسام تكاليفه، وذاكرا لكلّها على سبيل الاستيفاء، والاستقصاء = [2] . والتوجيه الأوّل لهذا التعلّق أو المجاورة تمّ عبر المقام (الحدث الخارجي) والثاني يتعلّق جزء منه بالمقام (آثار هاجر) والجزء الآخر منه يتعلّق بالمستوى الدلالي فإنّ تجاور هاتين الآيتين أفضى الى معنى جديد هو ثمرة الصبر على البلوى، وهذا يعود بنا الى العلاقات السياقيّة عند (دوسوسير) ثمّ عند (فيرث) وأثرها على دلالة النصّ.
ومن أمثلة هذا النوع من المجاورة (بين الآيات) ما ذكره الرازي حول الآية (195) {= وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللََّهِ وَلََا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللََّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ =} .
يقول: = اعلم أنّ تعلق هذه الآية من وجهين: (الأوّل) انّه تعالى لما أمر بالقتال، والاشتغال بالقتال لا يتيسّر إلّا بآلات وأدوات يحتاج فيها إلى المال، وربما كان ذو المال عاجزا عن القتال، وكان الشجاع القادر على القتال فقيرا عديم المال، فلهذا أمر الله تعالى الأغنياء أن
(1) تفسير الرازي، 4/ 157.
(2) نفسه.