فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 509

في الأول مفعول التفكّر وهو قوله: { (فِي الدُّنْيََا وَالْآخِرَةِ) } حذفه ممّا بعده للعلم [1] . ويرتبط هنا التناسب بالمستوى التداولي وهو العلم المسبق لدى المخاطب.

ومن ألوان التناسب الأخرى ما يعرف بالمجاورة، وهذه المجاورة تأخذ أشكالا عديدة، وقد يكون ما ذكرناه آنفا صورا من هذه المجاورة، ونقصد به هنا تجاور الألفاظ وتناسبها وتجاور الجمل وتناسبها، وتجاور الآيات وتناسبها. ومن ذلك ما ذكره الرازي في تفسيره للآية { (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ) } [2] . قال: (اعلم أنّه سبحانه وتعالى لمّا تكلّم في التوحيد والنبوّة تكلم بعدهما في المعاد، وبيّن عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد) [3] . إنّ التضادّ هنا بين الوعد والوعيد لا يمنع من حدوث الاتّساق، بل إنّه الوسيلة التي حدث بها الاتساق فالشيء لا يظهر إلّا بضدّه. وهذا من صور التجاور داخل الآية الواحدة.

ومنه أيضا قول الرازي: (إنّما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه:

أحدها أنّ نعمة الله تعالى على العبد اعظم النعم فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم، وذلك لأن الوالدين هما الأصل، والسبب في كون الولد ووجوده كما أنّهما منعمان عليه بالتربية [4] . وهو أيضا من تجاور الجمل داخل الآية الواحدة. وهو تجاور مبنيّ على الحقيقة الخارجية، وهي أنّ هذه النعم أعظم النعم على العبد فجاز تجاورها في السياق اللّغوي. ومن أمثلته في تفسير الألوسي للآية (6) قال:

{ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) } كلام مستأنف يتميّز به حال الكفرة المردة العتاة سيق إثر بيان بديع أحوال أضدادهم المتّصفين بنعوت الكمال الفائزين بمطالبهم في الحال والكمال، ولم يعطف على سابقه لأنّ المقصود من ذلك بيان اتّصاف الكتاب بغاية الكمال في الهداية

(1) الفيروزآبادي. بصائر ذوي التمييز، 12/ 153.

(2) سورة البقرة، الآية (25) .

(3) تفسير الرازي، 3/ 123.

(4) نفسه، 3/ 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت