وفي تفسير الزمخشري لقوله تعالى = {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} = يقول: = وفي تقديم الآخرة، وبناء يوقنون على (هم) تعريض بأهل الكتاب، وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأنّ اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك = [1] . فهنا ربط مباشر بالهدف أو بمقصد الخطاب، وهو (التعريض) . وهكذا يتحوّل التقديم والتأخير من مظهر أسلوبي تركيبي إلى ظاهرة سياقية.
وينبّه الزمخشري بصراحة على هذا الربط بين ظاهرة التقديم والتأخير وسياق النصّ اللّغوي ومقصد الخطاب في تقديم وقوع القتل على الأمر بالذبح في الآية الكريمة {= وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادََّارَأْتُمْ فِيهََا} = يتساءل: = فما الفائدة في ترجيح هذا النظم؟ قلنا: إنّما قدمت قصّة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنّه لو عمل على عكسه لكانت قصّة واحدة، ولو كانت قصّة واحدة لذهب الغرض من بنية التقريع = [2] . ولاحظ أنّه اعتبر أنّ عدم حصول هذا التقديم والتأخير الأسلوبي يعدّ سببا في ذهاب الغرض، ولاحظ قوله = ترجيح النظم = وعلاقته بالاتّساق الداخلي للنصّ.
وفي تفسير الرازي للآية (137) من السورة الكريمة { (قُولُوا آمَنََّا بِاللََّهِ وَمََا أُنْزِلَ إِلَيْنََا وَمََا أُنْزِلَ إِلى ََ إِبْرََاهِيمَ وَإِسْمََاعِيلَ، وَ) } قال الرازي: = أما قوله = {قُولُوا آمَنََّا بِاللََّهِ} = فإنّما قدمه لأنّ الإيمان بالله أصل الإيمان بالشرائع فمن لا يعرف الله استحال أن يعرف نبيّا أو كتابا = [3] . وذكر ابن الصائغ في الآية الكريمة = {لََا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلََا نَوْمٌ} = أنّ ذلك بسبب التولّي من الأعلى إلى الأدنى [4] . وهكذا يرتبط مباشرة بترتّب الوقائع في السياق المقامي فالسنة هي الأدنى والنوم هو الأعلى، فمن تنزّه عن السنة وهي الومضة من النوم فمن باب أولى أن يتنزّه عن الأعلى وهو النوم كله.
(1) الكشاف، 1/ 57.
(2) نفسه، 1/ 127.
(3) تفسير الرازي، 4/ 83.
(4) الإتقان في علوم القرآن، 2/ 31.