الإشارة وتكريره، ومنها كذلك تعريف المفلحين وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك ليبصّرك مراتبهم = [1] . إنّ آليات النصّ في التعبير عن الواقع الاجتماعي عديدة، ولذلك فإنّ المفسّر يجهد نفسه في الوصول إلى أكبر عدد من هذه الآليّات، متّكئا على الاتّساق بين النصّ والسياق.
وحول الآية الكريمة {= وَإِذََا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمََا آمَنَ النََّاسُ =} يقول الرازي: = اللام في (الناس) فيها وجهان، أحدهما أنّها للعهد أي كما آمن رسول الله ومن معه، وهم ناس معهودون أو عبد الله بن سلّام وأشياعه لأنّهم من أبناء جنسهم، والثاني أنّها للجنس ثم هاهنا أيضا وجهان: أحدهما أنّ الأوس والخزرج أكثرهم كانوا مسلمين، وهؤلاء المنافقون كانوا منهم، وكانوا ملّتين، ولفظ العموم قد يطلق على الأكثر. والثاني أنّ المؤمنين هم الناس في الحقيقة لأنّهم هم الذين أعطوا الإنسانيّة حقّها لأنّ فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل المرشد الهادي = [2] . وهذا المقطع الأخير ملمح لطيف يربط بين التعريف والمقام الفكري وما هو الفضيلة في ذلك السياق وما هو عكسها. ثم إنّ نوع ال التعريف في هذا النصّ يمكن أن يكون للعهد أو للجنس بحسب المقام المفترض وهو هنا واقع الحال في المدينة المنوّرة.
إنّ اهتمام المفسّرين بتحديد نوع التعريف مربوط غالبا بالمقام، فحين يحدّد الزمخشري نوع التعريف في قوله تعالى: {= الَّذِينَ كَفَرُوا =} يرى أنّه يجوز أن يكون للعهد وأن يراد بهم ناس بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة، وأضرابهم وأن يكون للجنس متناولا كلّ من صمّم على كفره تصميما لا يرعوي بعده وغيرهم = [3] . ويتساءل الزمخشري عن سرّ تنكير (صيّب) وتعريف (السماء) في قوله تعالى: {= أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمََاءِ فِيهِ ظُلُمََاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ =} مع أنّ الصيّب معروف أنّه لا ينزل إلّا من السماء قال: وتنكير
(1) الكشاف، 1/ 45.
(2) تفسير الرازي، 1/ 68.
(3) الكشاف، 1/ 47.