قال: والمرض الذي ذكره الله هو شكّهم في أمر محمّد، وما جاء به من عند الله وتحيّرهم فيه = [1] . وفي تفسير الآية (198) من السورة يقول الطبري وهو يستحضر السياق العام المحيط بالخطاب = وكان ناس من العرب يتأثّمون أن يتّجروا أيام الحج، وإذا دخل العشر كفّوا عن البيع والشراء فلم تقم لهم سوق، ويسمّون من يخرج بالتجارة (الداج) ويقولون: (هؤلاء الداج وليسوا بالحاج) . فلما جاء الإسلام تأثّموا فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم وإنّما يباح ما لم يشغل عن العبادة = [2] .
ومن صور ذلك عقد المقارنة بموقف خطاب مماثل نسبيّا من حيث الوقائع، أو استحضار نصّ استخدم فيه أجزاء من الخطاب المراد تفسيره مع اختلاف السياق، وتوضيح طبيعة الاتّفاق والافتراق بينهما. ففي تفسير الطبري للآية (31) من سورة البقرة قال: = هذا يظهر قوله جلّ جلاله لنبيّه نوح صلوات الله عليه إذ قال: {= رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحََاكِمِينَ =} . وهي الآية (45) من سورة (هود) {= فَلََا تَسْئَلْنِ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجََاهِلِينَ =} فكذلك الملائكة سألت ربّها أن تكون خلفاءه في الأرض فلمّا اتضح لهم هفوة زلتهم أنابوا إلى الله بالتوبة فقالوا: {= سُبْحََانَكَ لََا عِلْمَ لَنََا إِلََّا مََا عَلَّمْتَنََا =} ، فسارعوا الرجعة من الهفوة وبادروا الإنابة من الزّلة = [3] .
ويلجأ الزمخشري إلى مقتضى الحال (المقام) ليفسّر كثرة ورود النداء (يا أيّها) في كتاب الله على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟ قال: = لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة، لأنّ كلّ ما نادى الله به عباده من أوامره ونواهيه وعظاته وزواجره، ووعده ووعيده واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم وغير ذلك ممّا أنطق به كتابه أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان عليهم أن يتيقّظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها،
(1) تفسير الطبري، 1/ 108.
(2) نفسه، 1/ 245.
(3) نفسه، 1/ 167.