وفي تعليقه على الآية {= أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللََّهَ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ =} قال بعد شرح طويل: ابتدأ أوّل الآية بخطاب النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله: {= أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللََّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ =} لأنّ المراد بذلك الذين وصفت أمرهم من أصحابه، والمقصود به جميعهم، وذلك من كلام العرب مستفيض بينهم فصيح أن يخرج المتكلّم كلامه على وجه الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره، وعلى وجه الخطاب لواحد وهو يقصد به جماعة غيره، أو جماعة والمخاطب به أحدهم، وعلى وجه الخطاب للجماعة والمقصود به أحدهم = [1] .
ومن ذلك قوله { (يََا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللََّهَ وَلََا تُطِعِ الْكََافِرِينَ وَالْمُنََافِقِينَ) } ثم قال:
{ (وَاتَّبِعْ مََا يُوحى ََ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللََّهَ كََانَ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) } . فكذلك الآية {= أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللََّهَ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ =} ، وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّه مقصود به قصد أصحابه وذلك بيّن بدلالة قوله { (وَمََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلََا نَصِيرٍ) } . أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل = [2] . لقد قلنا إنّ المفسّرين كانوا دائما يتمثّلون المقام الذي تنزّل فيه الخطاب القرآني. وكانوا يستعينون بذلك المقام في توضيح ملابسات ذلك الخطاب. ولكنّهم كثيرا ما يعلنون بعد تفسير الآية أو الآيات إمكانيّة قراءتها قراءة أعمّ وأشمل، لتصبح معبّرة عن كلّ حالة مشابهة، وهم بهذا يوافقون أصحاب كتب علوم القرآن في قاعدتهم الشهيرة: = العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص سبب النزول =.
(1) تفسير الطبري، 1/ 186.
(2) نفسه، 1/ 335.