خيرا لكم ونكفّر عنكم = وقرأ ابن عبّاس: (وتكفر) يكون معناه وتكفّر الصدقات، وقراءة عكرمة (وتكفّر عنكم) أي أشياء من سيّئاتكم فأمّا النصب (ونكفّر) فضعيف وهو على إضمار (أن) وجاز على بعد لأنّ الجزاء إنّما يجب به الشيء لوجوب غيره فضارع الاستفهام = [1] . إنّ الاتساق بين أول الكلام وآخره من حيث المعنى، ومن حيث اتّصال الموضوع هاجس لدى المعرب في مسألة العطف وغيره ومن ثمّ يصبح تآلف المعنى هو هدف النحويّ، ثمّ الترتّب المنطقي للأسباب والنتائج والوقائع، يعدّ هاجسا آخر وكلّ هذا له صلته بالسياق.
ومن الأمثلة التي يشيرون إليها في الآية (53) {= وَإِذْ آتَيْنََا مُوسَى الْكِتََابَ وَالْفُرْقََانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ =} قال أبو جعفر النحّاس: {= وَإِذْ آتَيْنََا مُوسَى =} بمعنى أعطينا (موسى الكتاب) مفعولان (والفرقان) عطف على (الكتاب) قال الفرّاء: وقطرب يقول: وإذ آتينا موسى الكتاب أي التوراة، ومحمّدا صلّى الله عليه وسلّم الفرقان، وهذا خطأ في الإعراب والمعنى، أمّا الإعراب فإنّ المعطوف على الشيء مثله. وعلى هذا القول يكون المعطوف على الشيء خلافه، وأمّا المعنى فقد قال فيه جلّ وعزّ: = ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان =، قال أبو إسحاق: يكون الفرقان هذا الكتاب أعيد ذكره، وهذا أيضا بعيد إنّما يجيء في الشعر كقول الشاعر: (وألفى قولها كذبا ومينا) وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد: فرقانا بين الحقّ والباطل الذي علّمه إياه [2] .
إنّ المعرب اعتمد على حقيقتين: أولاهما معنى العطف، والثانية التوافق المادّي والواقعي بين المعطوف والمعطوف عليه = يكون المعطوف على الشيء خلافه = ومن ناحية أخرى فمقصد المخاطب وتقدير المعنى من العناصر الثابتة في الترجيح والاستبعاد لدى النحاة. إنّ القاعدة النحوية لا يمكن إعمالها بمعزل عن السياق وهذا هو ما أكده الزجاج بترجيح قول مجاهد.
(1) النحاس، إعراب القرآن، 1/ 39.
(2) نفسه، 1/ 25.