السؤال، كلّها لها علاقة مباشرة بتوجيه الإعراب هنا وهذا انعكاس آخر من انعكاسات علاقة النصّ بالسياق، إنّ العطف يعدّ موضعا حيويّا لتبدّي هذه العلاقة لأنّه أداة ترابط بين أجزاء الكلام، ولأنّه يشير إلى الاتساق الداخلي والخارجي معا، فحين يقطع المخاطب يقصد أن يحدث أثرا ما في ذهن المخاطب، وحين يعطف ويصل يقصد شيئا آخر، وهو ما حرص النحاة على إظهاره: ما معنى الجملة إذا قصد العطف؟ وما معناها إذا لم يقصد ذلك.
وتختلف توجيهات المعرب لمعنى الآية باختلاف المعطوف عليه، وهو يظهر أيّ لون من التركيب السياقي تمّ اختياره في كلّ حالة، ومن أمثلته في الآية (271) {= إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقََاتِ فَنِعِمََّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهََا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرََاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئََاتِكُمْ وَاللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ =} . = فمن جزم الراء في {= وَيُكَفِّرُ =} عطف على موضع الفاء في قوله: {= فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ =} ومن رفع فعلى القطع، ومن قرأ بالنون ورفع قدّره: (ونحن نكفّر) ومن قرا بالياء ورفع قدّره: = والله يكفر عنكم = [1] . إنّ السياق الداخلي يتحدّد بحسب مكوّناته وهو ما يعيدنا إلى قولهم: = لكلّ كلمة مع صاحبتها مقام = ويعيدنا إلى التحليل المكوّناتي عند علماء الدلالة في العصر الحديث، إنّ البدائل التي يتيحها السياق تسمح بتكوين عدد غير قليل من قراءات النص بحسب اختلاف المكوّنات أو العناصر اللّغوية في ذلك النص. وقال الزجّاج = قرأ الأعمش = فهو خير لكم نكفّر عنكم = بغير واو جزما، والصحيح عن عاصم أنّه قرأ مرفوعا بالنون، وروى عنه حفض أنّه قرأ { (وَيُكَفِّرُ) } بالياء والرفع، وكذلك روى عن الحسن وروى عنه بالياء والجزم، وقرأ عبد الله ابن عباس: (وتكفّر عنكم من سيّئاتكم) بالتاء وكسر الفاء والجزم وقرأ عكرمة (وتكفّر عنكم) بالتاء وفتح الفاء والجزم، قال أبو جعفر: أجود القراءات (ونكفّر عنكم) بالرفع هذا قول الخليل وسيبويه. قال سيبويه: والرفع هاهنا الوجه، وهو الجيّد لأنّ الكتاب الذي بعد الفاء جرى مجراه في غير الجزاء، وأجاز الجزم. يحمله على المعنى، لأنّ المعنى = وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن
(1) مكي بن أبي طالب، تأويل مشكل إعراب القرآن، 1/ 114.