فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 509

الإفاضة الأولى غير مأمور بها، إنّما المأمور به ذكر الله إذا فعلت الإفاضة، والثاني: أن تكون هذه الجملة معطوفة على قوله: {= وَاتَّقُونِ يََا أُولِي =} ففي الكلام تقديم وتأخير وهو بعيد، والثالث أن تكون (ثمّ) بمعنى الواو، وقد قال به بعض النحويّين، من يعطف كلام على كلام منقطع من الأوّل، والرابع أنّ الإفاضة الثانية هي من مزدلفة إلى منى، والمخاطبون بها جميع الناس = [1] . وفي هذا النص ربط بالمقام الخارجي بتفاصيله، وربط بحركات الحجّ وشعائره، وربط بالمخاطبين كذلك.

ويشير الزمخشري إلى علاقة السياق بالفصل والوصل، بقوله في تفسير الآيات الأولى من سورة البقرة: = فان قلت: لم قطعت قصّة الكفّار عن قصّة المؤمنين ولم تعطف، قلت لأنّ الأولى فيما نحن فيه سوقه لذكر الكتاب، وأنّه هدى للمتقين، وسيقت الثانية لأنّ الكفّار من صفتهم كيت وكيت، فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف، فإن قلت هذا، إذا زعمت أنّ الذين يؤمنون جار على المتّقين، فأمّا إذا ما ابتدأته وبنيت الكلام لصفة المؤمنين ثمّ عقّبه بكلام آخر في صفة أضدادهم كان مثل تلك الآي = فإن قلت: فلم جاء الإيمان مطلقا في الثاني، وهو مقيّد في الأول؟ قلت: يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه، وأن يراد بالإطلاق أنّهم ليسوا من الإيمان في شيء قطّ، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما = [2] . إنّ الزمخشري يحرّكه في تأويله هنا السياق العام للآيات (تتابعها وتجاورها وموضوعها) (مسوقة) والعطف يقتضي تناغم السياق والموضوع، فإذن لا مجال هنا للعاطف بين موضعين لا يوجد بينهما مثل هذا التناغم فهما متباينان في الأسلوب، ويحرّكه كذلك غرض النصّ ومقصده، فاختلاف الغرض ينفي احتمال العطف.

(1) السمين الحلبي: أحمد بن يوسف (ت 756هـ) ، الدّر المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق د. أحمد الخرائط، ط 1، دار القلم / دمشق / 1986، 2/ 332.

(2) الزمخشري، الكشاف، 1/ 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت