والمنزّل إليه، فلو لم يكرّر لأوهم أنّ المنزّل إلينا هو المنزّل إليه، ولم يكرّر في (عيسى) لأنّه لم يخالف شريعة موسى إلّا في نزر يسير، فالذي أوتيه عيسى هو عين ما أوتيه موسى إلّا يسيرا، وقدّم المنزل إلينا في الذكر وإن كان متأخرا في الإنزال تشريفا له = [1] . إنّ هذا النصّ يربط ما بين رموز الخطاب والحقائق المقاميّة في خارج النصّ ربطا مباشرا من مثل المخاطب وحقيقته، وطبيعة الواقعة وطبيعة الرسالة المشتركة بين موسى وعيسى، ثم في هذا التأويل منحى تداوليّ تمثل في قوله: (تشريفا له) .
وأمّا نظر المعربين في = الحروف = و = الأدوات = فمظهر آخر من المظاهر التي يمكن أن نرصد فيها علاقة النصّ بالسياق، ويحرص المعربون على الوقوف عند هذه الحروف والأدوات: وظيفتها ودورها في خدمة غرض الخطاب، ومن ذلك في إعرابهم للآية (130) {= وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرََاهِيمَ إِلََّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ =} قالوا: (ومن) ابتداء وهو اسم تام في الاستفهام والمجازاة، وهو تقرير وتوبيخ وقع فيه معنى النفي، أى ما يرغب عن ملّة إبراهيم إلا من سفه نفسه = [2] . فالغرض هنا هو التوبيخ والتقرير وفيه معنى النفي، وتركيب الخطاب على هذا النحو يعزّز هذا الغرض، والأسلوب الذي جاء به الخطاب عبر (من) كذلك.
ومن أمثلة دور هذه الحروف في تعضيد مقصد الخطاب في قوله تعالى = أتجعل فيها) قال مكّي: = الألف ألف استرشاد، وسؤال عن فائدة، وليس هو إنكار، إذ لفظه لفظ الاستفهام، قيل: هو تعجّب تعجّبت الملائكة من قدرة الله = [3] . ولا شكّ أنّ هذه المعاني مكتسبة من السياق، وتتكوّن المعاني التعضيديّة التي يضيفها الحرف باختلاف مقاصد المخاطب، ووضع المخاطب وموضوع الخطاب.
(1) السمين الحلبي، الدّر المصون، 2/ 138.
(2) النحاس، إعراب القرآن، 1/ 263.
(3) مكي بن أبي طالب / مشكل إعراب القرآن، 1/ 34.