نخلص من ذلك كلّه إلى أنّ النحاة في توجيههم للإعراب قد حاولوا أن يذكروا احتمالات الإعراب المختلفة التي يحتملها النصّ، وهذه الاحتمالات مبنيّة على اختيارات سياقيّة للمركّبات المشكّلة للجملة، وفي كلّ اختيار سياقي سنخرج بمعنى جديد وقراءة جديدة، فالرسالة اللّغوية تحمل سياقا لغويّا خاصّا يتحدّد وفقا للعناصر المشكّلة له.
ويفترض بعض النحاة أحيانا تأويلا أوّليا للنص، ويوجّهون إعرابهم بحسب هذا التأويل الأوّلي، وأحيانا يحصل العكس فيبدءون بذكر الوجه المختار ويحدّدون المعنى تبعا لذلك.
وفي الحالتين يحاول المعرب أن تكون القراءة أقرب إلى مقصد صاحب النصّ من جهة، ومتّسقة مع بقيّة أجزاء النصّ من جهة أخرى. ويهتمّ المعربون كثيرا بمسألة تجانس النصّ والسياق وتشاكلهما، فإذا ابتدأ الخطاب يجب أن تتّسق مكوّنات النصّ التي تلي مع ذلك، وإذا ابتدأت بالماضي يجب أن تتّسق المكونات التالية مع هذا وهكذا، ولا يعني الاتّساق المطابقة، بل التلاؤم والانسجام وفقا لمقتضيات السياق، وإذا خرج شيء عن هذا سارع المعرب إلى تمثّل السياق الثقافي لأهل اللغة، واحتكم إلى العرف اللّغوي ليجد التأويل والتفسير المناسب.
كما أنّ المعرب يتحرّى وقائع الحدث في خارج النص ويبحث عن تلاؤم النصّ معها في داخله فيهتمّ بأحوال المخاطبين وصلتهم بالوقائع. ويلتمس هذا من خلال التراكيب والصيغ، وفي كلّ الأحوال لا يجب أن يفقد النصّ تآلفه الداخلي بالإضافة إلى تآلفه مع الحقائق المائلة خارج السياق. ومن الأمور التي رأينا المعربين ينتبهون إليها طبيعة العرف الاجتماعي للمخاطبين من مثل من يطلق عليه (آل كذا) ومن لا يطلق عليه، ومتى يعتبر العم بمثابة الأب، ومن مثل الفرق بين (بلد) وبلدة وغيرها. ومنها كذلك ما يليق بشأن المخاطب من المخاطبات والصفات والنعوت وما لا يليق، وما يليق بشأن المخاطب من ذلك كله. كما وقف المعربون عند عنصر (الزمن) في الخطاب باعتباره ركنا رئيسا في المقام ودوره في توجيه القراءة، ووصف السياق والنصّ معا، ونظروا إليه باعتباره أداة اتساق داخليّة كذلك، ودور الوقائع الخارجية في تحديد هذا الزمن أو إخراجه عن مقتضى
ظاهره. فالزمن يتقولب أحيانا بحسب السياق الذي ورد فيه وغرض الخطاب الذي لازمه، وحالة المخاطب الذي ارتبط فيه على نحو ما رأينا.