كما أنّ المعرب يتحرّى وقائع الحدث في خارج النص ويبحث عن تلاؤم النصّ معها في داخله فيهتمّ بأحوال المخاطبين وصلتهم بالوقائع. ويلتمس هذا من خلال التراكيب والصيغ، وفي كلّ الأحوال لا يجب أن يفقد النصّ تآلفه الداخلي بالإضافة إلى تآلفه مع الحقائق المائلة خارج السياق. ومن الأمور التي رأينا المعربين ينتبهون إليها طبيعة العرف الاجتماعي للمخاطبين من مثل من يطلق عليه (آل كذا) ومن لا يطلق عليه، ومتى يعتبر العم بمثابة الأب، ومن مثل الفرق بين (بلد) وبلدة وغيرها. ومنها كذلك ما يليق بشأن المخاطب من المخاطبات والصفات والنعوت وما لا يليق، وما يليق بشأن المخاطب من ذلك كله. كما وقف المعربون عند عنصر (الزمن) في الخطاب باعتباره ركنا رئيسا في المقام ودوره في توجيه القراءة، ووصف السياق والنصّ معا، ونظروا إليه باعتباره أداة اتساق داخليّة كذلك، ودور الوقائع الخارجية في تحديد هذا الزمن أو إخراجه عن مقتضى
ظاهره. فالزمن يتقولب أحيانا بحسب السياق الذي ورد فيه وغرض الخطاب الذي لازمه، وحالة المخاطب الذي ارتبط فيه على نحو ما رأينا.
إنّ موقف الكلام عند النحاة يأتلف على هيئة مخصوصة تصبح فيصلا في تحديد الصواب والخطأ متجاوزين المعيار الشكلي. ومن ذلك تعاملهم مع الأسماء الظاهرة وأسماء الإشارة كما سلف القول. وتتدخّل حال المخاطب في تحديد الاختيار النحوي كما في مثال (كلّا) و (بلى) آنف الذكر، ويتمثّل المعرب ملابسات الخطاب جميعا ليصل إلى توجيه أمثل للنصّ، كما أنّ اتساق الخطاب وتلاؤم أجزائه وتآلف عناصره من الأمور الرئيسة التي يعتمد عليه المعرب في قبول القراءة، أو اعتبارها شاذّة وهذا الاتّساق يشمل الوجهين الداخلي والخارجي. كما أنّ سياق الحال يمكن أن يستخرج من داخل النص، فيتوقّع المعرب الحال التي كان المخاطب عليها من خلال تراكيب النصّ وصيغة.
ويتنبّه المعربون إلى بعض الاستعمالات اللغويّة التي تليق في القرآن ولا تليق في سواه، أو تليق في غير القرآن ولا تليق في القرآن باعتبار القرآن كلام الله، وهو مستوى آخر من اللّغة، وفي هذا القول اعتبار لطبيعة المخاطب سبحانه وتعالى، كما أنّ هدف الخطاب ومقصده عنصر سياقي آخر يحكم توجّهات المعرب ويحرّكها. كما أنّ الحقيقة الدينيّة والعرف الديني موجّهات أخرى لحركة الإعراب.
ويدرس المعربون جملة من الظواهر السياقيّة، مثل: التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، والضمائر، والحروف والأدوات. وحاولوا توجيهها بما يحقّق الائتلاف اللغوي الداخلي، والائتلاف الخارجي مع سياق الحال. ونظروا في خروج الحروف والأدوات عن معانيها الأصلية إلى معان تستفاد من السياق، ورصدوا هذه المعاني من خلال عناصر السياق المختلفة، كالغرض والظرف ووضع المخاطب وغيره.
وهذه الملاحظات التي يثيرها اللغويّون حول هذه الشواهد قد نجدها مائلة في صورة أخرى لدى العاملين في مدرسة تحليل الخطاب، ومنهم (ليفيس) الذي يجعل خصائص السياق تتحدّد في عناصر أبرزها: العالم الممكن(الوقائع التي كانت، أو يمكن
أن تكون). والزمن حيث يعتبر الجمل المزمنّة وظروف الزمان مثل: اليوم، الأسبوع، عناصر مهمّة في تحديد خصائص السياق، وكذلك المكان والمتكلّم والمخاطب والخطاب السابق، الذي يتضمّن أيّة إشارة للخطاب الذي يراد تحليله، والتخصيص وهي مجموعة الأشياء والعلاقات التي تحدّد أيّ نصّ، وهي مقاربة لرؤية هايمس (للمقام) . إنّ صنيع ابن جني في طرح تساؤلات حول النصّ أيضا يتجه مباشرة إلى طبيعة الاستدلال التي اقترحها (براون ويول) في بحوثهما. فهما يقترحان أن تجري عملية الاستدلال انطلاقا من مجموعة أسئلة الفهم (من، ماذا، أين، متى) فإذا اتّضح أنّ الإجابة عن بعض الأسئلة تتطلّب من القارئ عملا تأويليا إضافيا مثل (ملء الفراغات أو التقطيعات) (1) ، وهو ما أسميناه بتقدير المحذوف، فعليه أن يفعل ذلك.