تمضي السورة في بيان المنهج الرباني لهذه الجماعة المسلمة، منهج التصوّر والعبادة، ومنهج السلوك والمعاملة، فبيّن لها أنّ الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتا بل أحياء، وأن الإصابة بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات ليس شرّا يراد بها، إنما هو ابتلاء ينال الصابرون عليه صلوات الله ورحمته، وأنّ الله وليّ الذين آمنوا، وبيّن لهم بعض الحلال والحرام في المطاعم والمشارب، وحقيقة البرّ لا مظاهره وأشكاله، وأحكام القصاص في القتلى، وأحكام الوصيّة، وأحكام الصوم والحج، وأحكام الزواج والطلاق مع التوسّع في دستور الأسرة بصفة خاصّة، وأحكام الصدقة والربا، وأحكام الدين والتجارة
ووإذا ما تأمّلنا كيف دخل السياق إلى الحديث عن بني إسرائيل، ثمّ كيف انتقل من بني إسرائيل إلى الأمة المؤمنة ليضع لها دستور حياتها الجديدة، فإنّ في هذين الموضعين بالذات تبدو (الهندسة) الدقيقة في بناء السورة، وترسم صورة كذلك للبناء كلّه، لم يبدأ الحديث مباشرة عن بني إسرائيل، بل بدأ بما يناسب افتتاح عهد جديد في حياة المسلمين، وهو قيام المجتمع المسلم والدولة المسلمة بعد ثلاثة عشر عاما من الاضطهاد والتشريد والملاحقة المضنية من قريش، والسياق في الآيات من (12342) تقريبا لخّص تاريخ بني إسرائيل الأسود كلّه، وينتهي الحديث الموجّه إليهم طيلة هذه الآيات كلّها بهذا الإنذار الأخير: {= يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعََالَمِينَ}
{وَاتَّقُوا يَوْمًا لََا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلََا يُقْبَلُ مِنْهََا شَفََاعَةٌ وَلََا يُؤْخَذُ مِنْهََا عَدْلٌ وَلََا هُمْ يُنْصَرُونَ =} [1] . علما أنّ هذا الإنذار ذاته قد جاء بتنويع طفيف في عبارته في مبدأ الحديث إلى بني إسرائيل في الآيات (4847) {= يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعََالَمِينَ، وَاتَّقُوا يَوْمًا لََا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، وَلََا يُقْبَلُ مِنْهََا شَفََاعَةٌ وَلََا يُؤْخَذُ مِنْهََا عَدْلٌ، وَلََا هُمْ يُنْصَرُونَ =} فكأنما بدأ الحديث بالإنذار
(1) سورة البقرة، الآية (40) .