فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 509

فما يبدو لهم شيء، وحقيقة الأمر شيء آخر، ولذلك جاءت الفاصلة لتعبّر عن حقيقة وضعهم بالقول {= وَمََا يَشْعُرُونَ =} وعبّر عن ظنّهم (بالمخادعة) وعبر عن الحقيقة ب (الخدع) ، ولذلك جاء المفعول به في طرف المعادلة الأول (الظنّ) هو { (اللََّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) }

وهو ما لا يمكن أن يقع فعل المخادعة عليه لما ذكرنا من عظم هذا الطرف فقوّة الله فوق

كلّ قوّة، وجاء المفعول به في الطرف الثاني (أنفسهم) لأنّ من يظنّ أنّ بإمكانه مخادعة الله والذين آمنوا قد وقع في وهم ليس له آخر.

وهكذا فقد تضافرت عناصر لغويّة عديدة وعميقة للتعبير عن الوهم والحقيقة، ثمّ جاء التعبير عن المخادعة بالفعل المضارع لديمومة إقناع النفس بهذا الوهم بلا كلل ولا ملل، ثمّ التعبير عن الحقيقة كذلك بالفعل المضارع المسبوق بالنفي (وما) ، ومقطوعا بالاستثناء (إلّا) وحقيقة وقوع هذا الفعل على (أنفسهم) مع عدم شعورهم بهذا. وبذا يكون النص قد عبّر عن حقيقة شعورهم في مواجهة المؤمنين اصدق تعبير وأوضحه.

ثمّ يتابع السياق وصفهم وكأنّ سائلا يسأل: لماذا؟ لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة وهذا الخداع؟ ويأتي الجواب مباشرة: {= فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ =} وفي الجملة تقديم وتأخير واصلها = مرض في قلوبهم = فمكان المرض أهمّ من المرض نفسه لأنّ مرض القلب لا شفاء له، وقد يكون تنكير المرض من أجل تكثيف دلالته، وكأنّه مرض مجهول خبيث لا تعرف ماهيّته، وهذا ما يحيد بهم عن الصراط المستقيم، {= فَزََادَهُمُ اللََّهُ مَرَضًا =} فالمرض ينشئ المرض، والانحراف يبدأ يسيرا ثمّ تنفرج الزاوية حتّى يصيروا إلى المصير المعلوم الذي يستحقه من يخادع الله والمؤمنين، {= وَلَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ بِمََا كََانُوا يَكْذِبُونَ =} . ولقد عبّر عن زيادة المرض بالماضي = زادهم = وكأنّه قد حكم عليهم وانتهى الأمر، وليس من أمل في شفائهم كالذين ختم الله على قلوبهم، وكما أنّ الختم استهدف القلوب فإنّ المرض استهدف القلب أيضا، ولم يقل (أمراض) بل عبّر باسم الجنس فقد جمعوا في قلوبهم المرض كلّه، وأمّا عن المصير ففيه كذلك تخصيص لهم من خلال التقديم والتأخير، وأصله = عذاب أليم لهم = فهم المخصوصون بهذا لما سبق منهم من فعل وجرم. أمّا (كانوا) في قوله {= بِمََا كََانُوا يَكْذِبُونَ =} فهي ليست للمضيّ فقد ارتبطت بالفعل المضارع فتعني في هذا السياق ديمومة التكذيب حتّى النهاية.

وصفة أخرى من صفاتهم خاصّة الكبراء منهم الذين كان لهم في أول العهد بالهجرة مقام ورئاسة وسلطان كعبد الله بن أبي بن سلول، هي صفة العناد وتبرير ما يأتون

من الفساد، والتبجّح حين يأمنون أن يؤخذوا بما يفعلون {= وَإِذََا قِيلَ لَهُمْ لََا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قََالُوا إِنَّمََا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} {أَلََا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلََكِنْ لََا يَشْعُرُونَ =} (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت