وصفة أخرى من صفاتهم خاصّة الكبراء منهم الذين كان لهم في أول العهد بالهجرة مقام ورئاسة وسلطان كعبد الله بن أبي بن سلول، هي صفة العناد وتبرير ما يأتون
من الفساد، والتبجّح حين يأمنون أن يؤخذوا بما يفعلون {= وَإِذََا قِيلَ لَهُمْ لََا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قََالُوا إِنَّمََا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} {أَلََا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلََكِنْ لََا يَشْعُرُونَ =} [1] .
فهم لا يقفون عند حدّ الكذب والخداع، بل يضيفون إليهما السفه والادّعاء، والتبجّح والتبرير {= إِنَّمََا نَحْنُ مُصْلِحُونَ =} . ولاحظ أسلوب الحصر فهم ليسوا مصلحين حسب، وإنّما قصروا أنفسهم على هذا الإصلاح، فهم مصلحون ولا يكونون إلّا كذلك، ولأجل هذا الأسلوب الذي ينمّ على انحراف آخر من انحرافات التصوّر والاعتقاد، جاء التعقيب الحاسم {= أَلََا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلََكِنْ لََا يَشْعُرُونَ =} . فالجواب ثمّ الفاصلة القرآنية تصوّر حالهم أبلغ تصوير فالجواب جملة اسميّة مؤكّدة بعدد من أدوات التوكيد: (ألا) التي للتنبيه، و (إنّ) و (ضمير الفصل) فهذه الجملة الإنكارية تناسب حال أولئك المتبجحين من المنافقين وكأنّ الآية تقول: هم هم المفسدون ولا أحد سواهم. {= وَلََكِنْ لََا يَشْعُرُونَ =}
ونلاحظ التكرير في هذه المجموعة من الآيات فالفاصلة {= لََا يَشْعُرُونَ =} تكرّرت مرّتين للدلالة على حالة الوهم والظلام التي كانوا يعيشونها، وقد تكرّر معنى هذه الفاصلة بأشكال أخرى منها = لا يعلمون =، = يعمهون =، و = وما كانوا مهتدين =. ثمّ صورة الظلام الدامس التي ترسمها صورة الذي استوقد نارا، ثمّ ذهاب السمع والأبصار والصمم والعمى، وغيرها كما سيأتي.
ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامّة الناس ليكسبوا لأنفسهم مقاما زائفا في أعين الناس {= وَإِذََا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمََا آمَنَ النََّاسُ قََالُوا أَنُؤْمِنُ كَمََا آمَنَ السُّفَهََاءُ أَلََا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهََاءُ وَلََكِنْ لََا يَعْلَمُونَ =} [2] . واضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول ويرونه خاصا بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام، ومن ثمّ قالوا قولتهم هذه = أنؤمن كما آمن السفهاء =. وهذه القولة تعكس نظرة اجتماعيّة طبقيّة
(1) سورة البقرة، الآيتان (1211) .
(2) سورة البقرة، الآية (13) .