كان اليهود يشكّكون في صحة رسالة محمد صلّى الله عليه وسلم وجاءت الآيات من (2520) لتعرض هذه الرسالة وحقيقتها للناس جميعا {= يََا أَيُّهَا النََّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي =} وجاءت تتحدّاهم في تجربة واقعيّة تفصل في الأمر بين الدعوة وخصومها.
{= وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلى ََ عَبْدِنََا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدََاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللََّهِ} {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا =} [1] . ثم عرضت نتيجة هذا التحدّي بعد تحديد موقف الناس من الرسالة {= فَاتَّقُوا النََّارَ الَّتِي وَقُودُهَا} {أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ =} وفي مقابلهم {= وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصََّالِحََاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي =} وفي الآية (26) يجيء الحديث عن الأمثال التي يضربها الله في القرآن {= إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا =} وهذه الآيات تدل على أن المنافقين الذين ضربت لهم الأمثال السابقة (النار والصيب) والمشركين كذلك واليهود قد اتخذوا من ورود هذه الأمثال في هذه المناسبة منفذا للتشكيك في صدق الوحي بهذا القرآن، بحجّة أنّ ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغير لهم وسخرية منهم لا تصدر عن الله، فهو لا يمكن أن يذكر هذه الأشياء الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه، وكان هذا طرفا من حملة التشكيك والبلبلة التي قاموا بها، فجاءت هذه الآيات دفعا لهذا الدس {= إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مََا =} وجاءت الجملة خبريّة إنكاريّة موافقة لطبيعة المخاطبين، ولتعلن أن العبرة ليست في الحجم والشكل وإنّما المعجزة هي معجزة الحياة في الفيل أو البعوضة، وأنّ الأمثال أدوات للتنوير والتعبير أي أدوات للهدى، وهنا يعود الهدى ليشكّل الثابت البنيوي الرابط مع هذا النموذج الرابع من المخاطبين و (الأمثال) اختبار للقلوب والنفوس {= فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ =} . وهنا يأتي الرابط (الفاء) ليفيد الاستجابة المباشرة من المؤمنين (أولئك على هدى من ربهم) وفي الطرف الآخر {= وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مََا ذََا أَرََادَ اللََّهُ بِهََذََا مَثَلًا =} والواو هنا تترك فراغا زمنيا وهي تشرح بعدها موقف الذين كفروا على شكل
(1) سورة البقرة، الآية (23) .