وأمّا الوصل الزمني (بتعبير هاليدي وحسن) في النص فيظهر في أنّ الآيات من (2926) أجملت الفئات المناكفة للهدى وأشارت إلى المواصفات العامّة لليهود في كل زمان ومكان منطلقة من حادثة معاصرة في سياق تنزّل السورة، وهي قصّة ضرب الأمثال (بعوضة فما فوقها) واستهزاء القوم وخاصة اليهود بها، ويتوجّه المقطع هنا إلى بني إسرائيل مباشرة، أولئك المعاصرين لرسول الله، ثمّ تعرّج لتذكّرهم بأفاعيل أجدادهم، وبهذا يتّسق الوصل الزمني في الخطاب، كما نلحظ الاتّساق الفنّي والنفسي في الأداء القرآني فبدء هذه الجولة يلتحم بختام قصة آدم، ثمّ تتحدّث الآيات عن هذا النموذج الذي لم يحفظ عهد الاستخلاف الذي مثّله آدم، وهذا جانب من التكامل في السياق القرآني بين القصص والوسط الذي تعرض فيه فقصّة آدم هي حلقة من سلسلة الصراع الطويل في الأرض بين قوى الشر والفساد، وبنو إسرائيل هم حلقة أخرى. وهكذا فالقصص القرآني جزء من عناصر السياق المنسجم المتّسق مع المقام الذي ينجز فيه الخطاب والقرآن لا يعرض هنا قصّة بني إسرائيل كاملة وإنّما يشير إلى مواقف ومشاهد منها باختصار أو بتطويل مناسب. وقد وردت القصّة في السور المكّية التي نزلت قبل هذا،
ولكنّها كانت هناك تذكر مع غيرها لتثبيت القلّة المؤمنة في مكّة بعرض تجارب الدعوة وموكب الإيمان الواصل منذ أول الخليفة، وتوجيه الجماعة المسلمة بما يناسب ظروفها في مكّة، أمّا هنا فالقصد هو كشف حقيقة نوايا اليهود ووسائلهم وتحذير المسلمين منهم، وبسبب اختلاف (الهدف) بين القرآن المكّي والمدني اختلفت طريقة العرض، وإن كانت الحقائق التي عرضت هنا وهناك عن انحراف بني إسرائيل واحدة، فاختلاف الظرف والهدف (السياق المقامي) عمل على تغيير لغة العرض وطريقته (السياق اللغوي) أو بناء النص، ويظهر هذا إذا استعرضنا السور المكيّة السابقة لسورة البقرة في ترتيب النزول.
وفي مقطع الخطاب المباشر مع بني إسرائيل المعاصرين للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي ينتظم الآيات (4840) ، نرى أنّ مضمون الوصايا والتوجيهات التي اشتملت عليها الآيات تركّز على الوفاء بالعهد والوعد والتقوى والاستجابة لأمر الله، وكأنها تقف في مقابل الصفات العامّة الثلاث التي استحقّوا بها أن يكونوا من الخاسرين وهي نقض العهد والإفساد وقطع ما أمر الله به أن يوصل. فالآية (40) {= اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي =} تذكر صفة الوفاء، والآية (41) {= آمِنُوا،} {وَلََا تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا =} تحمل صفة الاستجابة لأمر الله والوفاء، { (وَإِيََّايَ فَاتَّقُونِ) } صفة التقوى، وفي الآية (42) {= وَلََا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبََاطِلِ =} عدم الإفساد، والحديث في الآيات (43) ، (44) و (45) ، و (46) كلّها تحمل معنى الاستجابة لأمر الله وعدم الإفساد، وفي الآية (47) الوفاء بالعهد، والآية (48) الأمر بالتقوى، وهكذا يبلغ التناسب ذروته في خطاب مركّز على مفاهيم محدّدة، في مقابل ما هو معروف عنهم في كل زمان ومكان والذي لخصته الآية (27) في المقطع السابق {= الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللََّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ =} والملاحظة الأخرى التي يمكن الإشارة إليها هي التكرير سواء كان تكريرا لفظيّا أو معنويّا، وأمّا التكرار المعنوي فهو واضح في تكرار مفاهيم الأوامر والنواهي في المقطع السابق، وتمحورها حول فكرة الوفاء بالعهد والتقوى والاستجابة ولكن بأشكال مختلفة. وأمّا التكرير اللفظي فتراه في قوله {= يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ}
{اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ =} في الآيتين (40) و (47) ، وأيضا قوله = فاتقون = في الآية (41) وقوله (واتقوا) في الآية (48) ، وكذلك ذكر النعمة (نعمتي وأنعمت) في الآية (40) وغرض التكرير واضح فالآيات تخاطب قوما عرفوا بنقض العهد، وتزوير الحقائق والإفساد، فالتكرير يناسب حالهم، ثمّ إنّ صيغ الخطاب تراوحت بين الأمر والنهي والاستفهام فاشتملت الآيات على أحد عشر أمرا، وثلاثة نواه، وثلاثة استفهامات إنكاريّة، وعلاقة هذه الصيغ والأساليب بموضوع الآيات يمكن في أن من يقطع ما أمر الله به أن يوصل يحتاج إلى أمر ونهي واستفهام، وناكث العهد يحتاج إلى أمر ونهي واستفهام، والمفسد يحتاج إلى أمر ونهي واستفهام. إنّ المستعرض لتاريخ بني إسرائيل ليأخذه العجب من فيض الآلاء التي أفاضها الله عليهم، ومن الجحود المنكر المتكرّر الذي قابلوا به هذا الفيض المدرار، وهنا يذكّرهم الله بنعمته التي أنعمها عليهم إجمالا قبل البدء في تفصيلها، يذكّرهم بها ليدعوهم بعدها إلى الوفاء بعهدهم مع الله {= يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ =} (1) . وأما العهد المشار إليه هنا فهو العهد الأول {= فَإِمََّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدََايَ فَلََا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلََا هُمْ يَحْزَنُونَ =} (2) . وهذا يعيدنا إلى الهدى وهو الخطّ الرابط في هذه السورة، وفي قوله {= وَلََا تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا =} إحالة إلى أولئك الذين {= اشْتَرَوُا الضَّلََالَةَ بِالْهُدى ََ =} . ونلاحظ أنّ الخطاب ابتدأ بضمير المخاطب المباشر، وانتهى بصيغة الغيبة {= وَلََا هُمْ يُنْصَرُونَ =} وذلك للتعميم، فهذا مبدأ كلّي يشمل المخاطبين هنا وفي كل آن ممّن اختاروا سبيل نقض العهد والإفساد.