من نقض العهد والإفساد، وقطع ما أمر الله به أن يوصل بأمثلة من القديم والحديث، ويتداخلان تداخلا كبيرا فهي صورة مكرورة واحدة ولذلك وجدنا ضمائر الخطاب تنتقل ما بين ضمير المخاطب وضمير الغيبة باستمرار، وهذا المقطع الذي ينتظم الآيات من (7440) يبدأ بثماني آيات متتالية في خطاب مباشر لليهود المعاصرين للنبي صلّى الله عليه وسلم {= يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا =} وابتداء من هذا المقطع يواجه السياق بني إسرائيل الذين واجهوا الدعوة في المدينة مواجهة منكرة، وقاوموها مقاومة خفية وظاهرة، وكادوا لها كيدا موصولا كما أظهرت أسباب النزول، وطبيعة المعركة التي شنها اليهود هي هي في كل زمان ومكان، أجملتها الآيات السابقة من (2926) (نقض العهد، والإفساد، وقطع ما أمر الله به أن يوصل) وتجملها أكثر معادلة تنكّب الهدى التي أشرنا إليها.
وأمّا الوصل الزمني (بتعبير هاليدي وحسن) في النص فيظهر في أنّ الآيات من (2926) أجملت الفئات المناكفة للهدى وأشارت إلى المواصفات العامّة لليهود في كل زمان ومكان منطلقة من حادثة معاصرة في سياق تنزّل السورة، وهي قصّة ضرب الأمثال (بعوضة فما فوقها) واستهزاء القوم وخاصة اليهود بها، ويتوجّه المقطع هنا إلى بني إسرائيل مباشرة، أولئك المعاصرين لرسول الله، ثمّ تعرّج لتذكّرهم بأفاعيل أجدادهم، وبهذا يتّسق الوصل الزمني في الخطاب، كما نلحظ الاتّساق الفنّي والنفسي في الأداء القرآني فبدء هذه الجولة يلتحم بختام قصة آدم، ثمّ تتحدّث الآيات عن هذا النموذج الذي لم يحفظ عهد الاستخلاف الذي مثّله آدم، وهذا جانب من التكامل في السياق القرآني بين القصص والوسط الذي تعرض فيه فقصّة آدم هي حلقة من سلسلة الصراع الطويل في الأرض بين قوى الشر والفساد، وبنو إسرائيل هم حلقة أخرى. وهكذا فالقصص القرآني جزء من عناصر السياق المنسجم المتّسق مع المقام الذي ينجز فيه الخطاب والقرآن لا يعرض هنا قصّة بني إسرائيل كاملة وإنّما يشير إلى مواقف ومشاهد منها باختصار أو بتطويل مناسب. وقد وردت القصّة في السور المكّية التي نزلت قبل هذا،
ولكنّها كانت هناك تذكر مع غيرها لتثبيت القلّة المؤمنة في مكّة بعرض تجارب الدعوة وموكب الإيمان الواصل منذ أول الخليفة، وتوجيه الجماعة المسلمة بما يناسب ظروفها في مكّة، أمّا هنا فالقصد هو كشف حقيقة نوايا اليهود ووسائلهم وتحذير المسلمين منهم، وبسبب اختلاف (الهدف) بين القرآن المكّي والمدني اختلفت طريقة العرض، وإن كانت الحقائق التي عرضت هنا وهناك عن انحراف بني إسرائيل واحدة، فاختلاف الظرف والهدف (السياق المقامي) عمل على تغيير لغة العرض وطريقته (السياق اللغوي) أو بناء النص، ويظهر هذا إذا استعرضنا السور المكيّة السابقة لسورة البقرة في ترتيب النزول.