{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ =} وورد في ثناياها إشارات إلى هذه الحقيقة، وبخاصة حقيقة الإيمان بالرسل جميعا وها هي ذي تختم بقوله {= آمَنَ الرَّسُولُ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللََّهِ وَمَلََائِكَتِهِ =} . وكأنما هي تفصل هنا كلمة الغيب الواردة في الافتتاح {= يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ =} = وهو ختام يتناسق مع البدء كأنما دفتا كتاب = [1] ، وقد حوت السورة الكثير من التكاليف للأمة المسلمة وتشريعاتها في شتى شئون الحياة، كما ورد فيها الكثير عن نكول بني إسرائيل عن تكاليفهم وتشريعاتهم، وفي ختامها يجيء هذا النص المفصح عن الحد الفاصل بين النهوض بالتكاليف والنكول عنها، المبين أن الله لا يريد إعنات الأمة ولا أثقالها، وأنه كذلك لا يحابيها كما زعمت يهود عن ربها، {= لََا يُكَلِّفُ اللََّهُ نَفْسًا إِلََّا وُسْعَهََا لَهََا مََا كَسَبَتْ وَعَلَيْهََا مَا اكْتَسَبَتْ =} [2] . وقد تضمنت السورة بعض قصص بني إسرائيل، وما أنعم الله عليهم به من فضل وما قابلوا به هذا الفضل من جحود، وفي ختامها يرد ذلك الدعاء الخاشع من المؤمنين: {= رَبَّنََا لََا تُؤََاخِذْنََا إِنْ نَسِينََا أَوْ أَخْطَأْنََا رَبَّنََا وَلََا تَحْمِلْ عَلَيْنََا إِصْرًا كَمََا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنََا رَبَّنََا وَلََا تُحَمِّلْنََا مََا لََا طََاقَةَ لَنََا بِهِ وَاعْفُ عَنََّا وَاغْفِرْ لَنََا وَارْحَمْنََا =} [3] .
وقد فرض الله في هذه السورة القتال، وأمر بالجهاد والإنفاق في سبيل الله لدفع الكفر والكافرين، وهي تختم بالتجاء المؤمنين إلى ربهم يستمدون منه العون على ما كلفهم، والنصر على عدوهم {= أَنْتَ مَوْلََانََا فَانْصُرْنََا عَلَى الْقَوْمِ الْكََافِرِينَ =} [4] .
إنه الختام الذي يلخص ويشير ويتناسق مع خط السورة الأصيل. خط العقيدة، وحال المؤمنين مع ربهم في كل حين.
(1) في ظلال القرآن، 1/ 339.
(2) سورة البقرة، الآية (286) .
(3) سورة البقرة، الآية (286) .
(4) سورة البقرة، الآية (286) .