فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 509

ويفسر السياق في رأي الدارسين الكثير من العمليات المصاحبة لأداء اللغة في وظيفتها التواصلية، لدى كل من منتج الكلام والمتلقي، وهو ركن أساس في فهم الرسالة اللغوية. والسياق بنوعيه: السياق اللغوي والسياق الحالي، يتّصل اتصالا مباشرا بعملية الإبلاغ (توصيل الرسالة) . فالأول منهما هو الذي يعطي الكلمة أو العبارة معناها الخاص في الحديث أو النص، وينفي عنها المعاني الأخرى التي يمكن أن تؤديها في حديث أو نص

آخر، بينما يزيل سياق الحال أو المقام اللبس عن الجمل والنصوص. والسياق بهذا المفهوم يتعدى ما هو معروف من أنه تتابع للأصوات والألفاظ، ليشمل فضلا عن ذلك الجو البيئي والنفسي المحيط بكل من المتكلم والسامع، وهو يشمل أيضا الجو العام المحيط بالنص اللغوي.

ويبدو من الصعوبة بمكان الاتكاء على نظرية لغوية واحدة في رصد العلاقة بين النص والسياق، ذلك أنّ أية مدرسة لم تتوصل إلى الآن إلى صياغة نظرية شاملة في هذا المجال، وقد بدأت العناية بدراسة النصوص كاملة في المساهمات الغربية في فترة لاحقة لسوسير، الذي بذر التناول الاجتماعي للغة في الدرس الحديث، ثم اقتحم الشكلانيون في حلقة (براغ) حقل البحث اللساني في مجال النص، وكان لفقه اللغة والنقد الأدبي والبلاغة الجديدة ونظريات علم اللغة وعلم الدلالة دور كبير في مساندة علم اللسان، بالكشف عن سيرورة النص وتفاعله مع سياقه، كما أفاد علم النص كذلك من التداولية (أحدث فروع العلوم اللغوية) ، وأسهمت اللسانيات الاجتماعية ومشمولاتها في رفد هذه النظرية. وتهتم هذه اللسانيات بإظهار العلاقات بين اللغة والمعطيات الاجتماعية والثقافية المحيطة بالموقف الكلامي. وقد قدم علماء اللسانيات على اختلاف مدارسهم أطرا مختلفة لطبيعة العلاقة بين النص والسياق، ودرسوا مظاهر الاتساق والانسجام في النصوص. ومن أبرز الجهود في هذا الإطار: دراسات (هاليداي ورقية حسن) التي تمثل منظور اللسانيات الوصفية، (وفان ديك) الذي يمثل منظور لسانيات الخطاب، (وبراون ويول) ويمثلان مدرسة تحليل الخطاب. وعلى الرغم من اتساع مجالات نظرية العلاقة بين النص والسياق في الدراسات الغربية إلا أن الرؤية المنهجية العامة لها تتمثل في جانبين

الأول ويرصد السياق بنوعيه: الحالي والمقالي، ويصف المعطيات الاجتماعية والثقافية والشخوص (المخاطب والمخاطب) ، والهدف والزمان والمكان، وطبيعة الموضوع، وطبيعة العلاقات، والإشارات، والأثر، وقناة الاتصال.

الثاني ويرصد التكيّف اللغوي للنص مع معطيات السياق السابقة، وينتج عنه ما يعرف بالاتساق، ويدرس في هذا الجانب آلية حدوث هذا التكيف ومظاهره

في المستويات اللغوية المشكلة للنص، ويدرس أدوات الاتساق بين النص والسياق كالإحالة والحذف والتكرير والاستبدال والإضافة والقلب، وترتيب الخطاب، وتسلسل متواليات الجمل، وعلاقة هذا التسلسل بالعالم الخارجي، والاتساق المعجمي، والتضام، والروابط، والعلاقات، عبر مجموعة من مبادئ التأويل والاستدلال التي تؤدي إلى تبين انسجام الرسالة اللغوية، أو عدم انسجامها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت