وقد عالجت سورة البقرة واقع المسلمين بعد الهجرة النبوية، فهي أول سورة نزلت بعد الهجرة، وموضوعها الرئيس موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية، وتربية الجماعة المسلمة الناشئة وتبصيرها وتحذيرها من العثرات التي تسببت في تجريد بني إسرائيل من شرف القيادة. وحول هذا المحور الرئيسي تترابط خيوط السورة الكريمة. ويأتي عنوان السورة ليعبر عن هذا الموضوع، فهو رمز مكثف لهذا المحور. ونجد أن النص قد أولى أهمية خاصة للمتلقي الأول، كما تكيف النص اللغوي بحسب المخاطبين وهم: المنافقون، والكفار، واليهود، والجماعة المسلمة في ذلك الوقت. وقد تشكلت الرسالة اللغوية في هذا النص بحيث تقرأ مواصفات المخاطبين وأغراضهم وسلوكهم. وقد تبدت هذه الأمور جميعا من خلال بنية النص وروابطه وصيغه. وقد شغل الحديث عن اليهود حجما كبيرا
من الرسالة اللغوية في سورة البقرة، ويمكن تفسير المراوحة بين الحديث عن اليهود في الزمن الغابر، ثم العودة إلى خطابهم في الزمن الحاضر المعاصر لرسول الله، ضمن نظريات إثنوجرافيا الخطاب التي تفسر توجهات المخاطبين في المواقف الكلامية من خلال أعراقهم وأجناسهم وتاريخهم الذي يصدرون عنه في المواقف المختلفة. كما يظهر (الهدى) نقطة مركزية في السورة تفصل بين أصناف المخاطبين في النص الكريم.
إن ملاحظات علماء القرآن والمفسرين والبلاغيين واللغويين والنحويين يمكن أن تشكل مدخلا واسعا من مداخل (نحو النص) ، الذي ينظر إلى ما يسبق الجملة وما يليها، ويمكن أن يطور النظر إليه واعتباره بذرة في تنمية = (علم النص) ، وهو ما أصبح ضرورة لازمة في الوقت الحاضر نظرا لتوسع الفن السردي كالقصة والرواية. وعلم النص أداة مهمة من أدوات تحليل هذا الفن، في ضوء ظهور ما يعرف ب (علم اللغة الأدبي) ، ولذا فتوصي هذه الدراسة باستقراء إرث هؤلاء الأعلام وتبويبه في هذا المجال. كما توصي هذه الدراسة أيضا بإعمال نحو النص في الدرس اللغوي في العربية، جنبا إلى جنب مع نحو الجملة لما يمكن أن يقدمه هذا النحو في إغناء الدرس الدلالي، وما يمكن أن يقدمه في تسهيل درس النحو من خلال الفعل التواصلي للغة، وليس من خلال جمل جامدة جافة لا توجد إلا في كتب النحو. وهذه كما رأينا ليست دعوة مبتدعة وإنما وجدنا جذورها لدى علمائنا الأوائل.
كما توصي الدراسة بتوسيع نطاق البحث في اللسانيات الاجتماعية وتطبيقاته في نصوص العربية، وتوصي بإعادة قراءة سور القرآن الكريم جميعا في ضوء علم اللسان الاجتماعي، ضمن ضوابط ومعايير تتفق مع منزلة الكتاب العظيم، مع الاستفادة من المعلومات التي يوفرها ترتيب النزول بالإضافة لترتيب القراءة في القرآن الكريم، وهي دراسات تحتاج إلى جهد كبير متصل من أكثر من باحث، وتحتاج قاعدة واسعة من البيانات المبثوثة في كتب علوم القرآن والتفسير وكتب أصول الفقه، والدراسات القرآنية القديمة والحديثة، وقد يستفاد هنا مما أتاحته التقنيات الحاسوبية الحديثة، وتكنولوجيا المعلومات،
التي يمكن أن تسهّل العمل للباحثين من حيث استرجاع المعلومات وتبويبها. إن دراسة القرآن الكريم في ضوء علم اللسان الاجتماعي، وإن كانت لا تخلو من محاذير، لتكشف عن أسرار هذا الكتاب العظيم وتجلي طبيعة العلاقة بين كتاب الله المسطور (القرآن) وكتاب الله المنظور (الكون والحياة) ، مما يدفع باتجاه تمثل هذا الكتاب العظيم منهجا للحياة في كل زمان ومكان.