(4) وكان نزول القرآن بلسان عربيّ مبين هو الذي هيّأ للعربيّة أن تصبح لغة معتمدة، واستتبع ذلك وصفها وتقعيدها. ونشأت علوم العرب في ظلال القرآن أوّل الأمر لتكون
دليلا للعرب وغير العرب إلى تحقيق أدائه أداء سليما وتصحيح قراءته والدلالة على وجود إعجازه.
ثم نجمت في ظلاله علوم شتى هي علوم القرآن عند الأوائل. ولم يظفر كتاب في تاريخ الثقافة الإنسانية بمثل ما استلهمه أهل النظر من تقليب البحث على وجوهه في استكناه أبعاد النصّ القرآنيّ. ولست أصادر هنا بشيء على ما جاءت به الدكتورة خلود في هذا السبيل، فقد عرضته عرضا مستفيضا.
(5) وإنما أتوقف هنا، لمحا، إلى ما كان من توقّف الأوائل إلى بيان أسباب النزول وبيان المكّي والمدنيّ إلخ ما أشبه ذلك. وإنما أتوقّف إلى مثل هذا لأنّني أراه يتجاوز لديهم ما يكون من تناول الخطاب القرآني في ذاته إلى ما اكتنف الخطاب من = شروط = خارجيّة.
وهو ملحظ يلتقي مع ما طوّرته مناهج لسانية حادثة في تحليل الخطاب اللساني وخاصّة ما طوّرته = الوظيفيّة = و = البراغماتية = ونظرية = السياق = و = اللسانيات الاجتماعية = من مقولات كليّة تقوم على أن هناك علاقة وثيقة بين الخطاب وشروطه الخارجية في المكان والزمان والإنسان على اختلافها. وهو اختلاف يمثّل إحدى آيات الله مصدر الخطاب القرآني.
وإذن فقد وقف علماء القرآن على ملحظ آخر يتمثّل في التفطّن إلى العلاقة بين الخطاب القرآني وشروط نزوله. ويفضي بنا تأويلنا الأوّل لتمثيل اللسان العربي الخاصّ للكوني اللساني المشترك إلى تأويل مسوّغ تماما لتمثيل ما بين الخطاب القرآني وشرطه العربي الأوّل في تعالقه المنسجم مع المناسبة المباشرة في أسباب النزول وتعالقه المنسجم مع تباين المكان ومنطوياته في المكّي والمدنيّ إلخ، وما بين الخطاب القرآني واستيعابه للشروط الإنسانية للعالمين والناس كافة في كلّ زمان ومكان.
(6) توسّل القدماء إلى قراءة النصّ القرآني بما تهيّأ لهم من أدوات النظر فأصابوا كثيرا من وجوه الكشف عمّا ينطوي عليه الخطاب القرآني. ثم نجم في هذا الزمان جيل من
الباحثين في العربية خاصّة شكّل تيارا عريضا يمثّل امتدادا لجهود الأوائل إذ يقوم منهجهم على المزاوجة بين النظر في الخطاب القرآني تديّنا وابتغاء البركة (أن يكونوا بسبب من النصّ المقدّس وسدانته) واسترفاد مناهج في النظر حادثة توافق بعض ما تفطّن إليه الأوائل وترفده بأنظار إضافية مبصرة. وإنما يستعير هذا الجيل تلك المناهج في مقولاتها الكلية لما يرون من فوائدها وما تنطوي عليه من بصائر تنأى عن التحيّز والأغراض المبيّتة إذ هي تنتسب إلى = العلمي = ذلك أن اللسانيات الحديثة بما فيها لسانيات النصّ ومناهج تحليل الخطاب والوظيفية التي جرّد = الآخر = مقولاتها المنهجية الكلية إنّما جاءت في سياق درس الظاهرة اللغوية والخطاب اللغوي درسا علميّا. وذلك شأن مختلف عمّا كان دعا به الآخر في سياق المدّ الاستعماري الأوروبي إلى كتابة العربية بالحرف اللاتيني واتخاذ العامية بديلا للفصحى وهو حديث آخر مختلف ذو شجون.