(6) توسّل القدماء إلى قراءة النصّ القرآني بما تهيّأ لهم من أدوات النظر فأصابوا كثيرا من وجوه الكشف عمّا ينطوي عليه الخطاب القرآني. ثم نجم في هذا الزمان جيل من
الباحثين في العربية خاصّة شكّل تيارا عريضا يمثّل امتدادا لجهود الأوائل إذ يقوم منهجهم على المزاوجة بين النظر في الخطاب القرآني تديّنا وابتغاء البركة (أن يكونوا بسبب من النصّ المقدّس وسدانته) واسترفاد مناهج في النظر حادثة توافق بعض ما تفطّن إليه الأوائل وترفده بأنظار إضافية مبصرة. وإنما يستعير هذا الجيل تلك المناهج في مقولاتها الكلية لما يرون من فوائدها وما تنطوي عليه من بصائر تنأى عن التحيّز والأغراض المبيّتة إذ هي تنتسب إلى = العلمي = ذلك أن اللسانيات الحديثة بما فيها لسانيات النصّ ومناهج تحليل الخطاب والوظيفية التي جرّد = الآخر = مقولاتها المنهجية الكلية إنّما جاءت في سياق درس الظاهرة اللغوية والخطاب اللغوي درسا علميّا. وذلك شأن مختلف عمّا كان دعا به الآخر في سياق المدّ الاستعماري الأوروبي إلى كتابة العربية بالحرف اللاتيني واتخاذ العامية بديلا للفصحى وهو حديث آخر مختلف ذو شجون.
(7) وينطوي كتاب الدكتورة خلود أو ينفتح على عرض لمقولات تحليل الخطاب عند المحدثين، واستقراء مستفيض لقراءات الأوائل للخطاب القرآني، واستثمار مستنير لمقولات الفريقين في تفسير العلاقة بين الخطاب والسياق.
إنّه يتناول سورة البقرة نصّا محفوظا ثابتا، ويستأنف قراءتها بمنظور يزاوج بين أنظار الأوائل ومقولات تحليل الخطاب فيجمع إلى بركة النصّ المقدّس اجتهاد باحثة مخلصة تتحلّى بإشراق العبارة والنفس الطويل. إنه كتاب يمثّل إضافة قيّمة إلى قراءات الأوائل وينتسب إلى أصالتهم المستنيرة إذ يغذوها برافد إضافيّ من أنظار علماء تحليل الخطاب في جرأة حذرة = ترى ما تريد وتتشبث بالثوابت وتصدر عن التزام اعتقادي راسخ = وتتحلى في الوقت نفسه بعقل مستنير ينشد الحكمة ضالّة المؤمن.
وكأن الدكتورة خلود تدفع قالة من قال: لم يترك الأوّل للآخر شيئا وتذهب مع قول الآخر: كم ترك الأوّل للآخر.
نهاد الموسى