فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 509

وفي علم الدلالة نجد أن اهتمام اللغويين العرب بالسياق ودوره في البحث الدلالي جليّ واضح، ومن ذلك تصنيف الألفاظ في زمر ومجموعات على أساس سياقيّ كالمترادف، والأضداد، والمشترك اللفظي، ومنه بناء المعجم العربي على أساس السياق التفسيري. وكان معيارهم في التدقيق بين الدلالات هو الاحتكام للسياق الذي يتمثّل في الاستعمال المألوف والشاهد المعروف من شعر او مثل أو حديث أو آية. وليس أدلّ على هذا في موضوع الأضداد من تسمية الملدوغ سليما، والصحيح سليما، وهذا ممّا لا يمكن تبيّنه إلّا عبر السياق. وكذلك ما يعرف في موضوع المشترك اللفظي بظاهرة الاستصحاب، ومعناها أنّ اللفظة إذا صحبت لفظا معيّنا انزاحت عن المعنى المعجمي الأصلي للدلالة على معنى جديد هو المعنى السياقي، فإذا اختلّ هذا الاستصحاب تغيّرت الدلالة، ومثاله: مادّة (يد) يذكرون فيها:

هم يد على من سواهم (إذا كان أمرهم واحدا) .

أعطيته مالا عن ظهر يد (عن تفضّل) وهكذا.

وفي كتب الفروق اللغويّة [1] المختلفة بيان كامل وشامل عن دور السياق في التفريق فيما يذهب الذهن إلى أنّه من المترادف، كما في (الجحد والإنكار) أو (العقل واللبّ) إذ بينها فروق دقيقة لا تظهر إلّا من خلال السياق. ونجد مزيدا من جلاء دور السياق في مسألة المترادف لدى كلّ من قدامة بن جعفر في كتابه (جواهر الألفاظ) والهمذاني في كتابه (الألفاظ الكتابيّة) وأبرز ما يميّز عملهما الاهتمام بوقوع المترادف على مستوى التراكيب. ودور السياق في جلاء معانيها من مثل: شعب الصدع، ورأب القطع، وسدّ الثلمة، وغيرها.

وتكشف معاجم المعاني عن لون آخر من ألوان علاقة السياق بالدلالة، فقد اهتمّ اللغويّون العرب بجمع المعاني التي يجمعها حقل دلاليّ واحد في صعيد واحد. مع الاهتمام بما بينها من لطيف الفروق، مثل درجات النوم، ودرجات العشق، أو ومن

(1) انظر الفروق في اللّغة، أبو هلال العسكري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت