ذلك أيضا اهتمامهم بتصنيف الألفاظ التي تندرج في باب واحد من أبواب المعاني كأن تلتقي في علاقة ما كالارتباط بجسم الإنسان أو النبات أو الفرس كما في كتب خلق الإنسان وغيرها. وانظر إلى هذا المثل من فقه اللّغة وسرّ العربيّة وكيف استفاد الثعالبي من فكرة السّياق في تحليل المعنى فتحت عنوان (فصل في العبوس) قال:
= إذا زوى ما بين عيني الرجل فهو قاطب وعابس، فإذا كشّر عن أنيابه مع العبوس فهو كالح، فإذا زاد عبوسه فهو باسر ومكفهرّ، فإذا كان عبوسه من الهمّ فهو ساهم، فإذا كان عبوسه من الغيظ، وكان مع ذلك منتفخا فهو مبرطم = [1] . وهذا النصّ يظهر علاقة تقاطيع الوجه، وحركاته، والحالة النفسيّة للشخص بالدلالات والألفاظ المستخدمة في الوصف. وفي موضع آخر تحت عنوان: = في تفصيل أحوال السارق وأوصافه = قال: = إذا كان يسرق المتاع من الأحراز فهو سارق، فإذا كان يقطع على القوافل فهو لصّ، وقرضوب، فإذا كان يسرق الإبل فهو حارب، فإذا كان يسرق الغنم فهو أحمص، والحميصة: الشاة المسروقة، فإذا كان يسرق الدراهم بين أصابعه فهو قفّاف، فإذا كان يشقّ الجيوب وغيرها من الدراهم والدنانير فهو طرّاد، فإذا كان داهية في اللصوصيّة فهو سبد وجمعها أسباد، فإذا كان له تخصّص بالتلصّص والخبث فهو طمل، فإذا كان خبثا منكرا فهو عفر) [2] . ولعلّ علاقة هذا النصّ بوضع المخاطب، أو المتكلّم والموضوع، وسياق الحال غنيّ عن التعليق، فهي واضحة جدّا.
وثمّة شيء آخر شغل به اللّغويّون العرب ويعدّ في إطار التصنيف السياقي للألفاظ، وهو تصنيف الألفاظ على أساس دلاليّ يرتبط بلون من ألوان الكلام الأدبي أو الفلسفي، وقد اكتشف اللّغويّون أنّ اللفظة الواحدة يمكن أن تتحوّل إلى كلمة متعدّدة المعاني بحسب سياق النصّ، أو الخطاب، وقد قالوا في (المتكلّم) أنّها تعني كلّ من نطق
(1) الثعالبي: الإمام أبو منصور اسماعيل الثعالبي النيسابوري (ت 329هـ) ، فقه اللّغة وسرّ العربية، مكتبة لبنان / بلا تاريخ / ص 140.
(2) نفسه، ص 143.