فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 509

متعددة تشمل السياقين: اللّغوي والمقامي. وتشير كتب علوم القرآن إلى أنّ كلّ آية أو مجموعة من الآيات نزلت عند سبب خاص استوجب إنزالها، وأنّ الآيات التي نزلت دون علّة خارجية قليلة جدّا. وقد أدرك علماء القرآن أنّ السبب أو المناسبة المعيّنة هي التي تحدّد الإطار الواقعي الذي يمكن فهم الآية أو الآيات من خلاله، بل وأدرك علماء القرآن أن قدرة المفسّر على فهم النصّ لا بدّ أن تسبقها معرفة بالوقائع التي أنتجت هذه النصوص. وهذا واضح من خلال الشروط التي يضعونها للمفسّر.

ولم يقف علماء القرآن عند مستوى هذا الربط بين النصّ والواقع، وإنّما أدركوا أنّ للنصّ من حيث هو نصّ لغوي فعالياته الخاصّة التي يتجاوز بها حدود الوقائع الجزئيّة التي كان استجابة لها، وهو ما ناقشوه تفصيلا في قضية العام والخاص، وبالإضافة إلى ذلك فقد أدركوا أنّ النصّ وإن كان من حيث النزول أي من حيث ترتيب نزول أجزائه مرتبطا بالوقائع والأسباب، فإنّه من حيث التلاوة [أي من حيث ترتيبه الآن في المصحف] يتجاوز هذا الارتباط بالوقائع ليقيم روابط أخرى ناقشها العلماء أيضا في علم (المناسبة بين الآيات) .

إنّ معرفة أسباب النزول لم تكن مجرّد ولع برصد الحقائق التاريخيّة التي أحاطت بتشكّل النص، بل هدفت إلى فهم النص واستخراج دلالته فإنّ = العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب كما يقولون = [1] . كما إنّ دراسة الأسباب والوقائع تؤدّي إلى فهم (حكمة التشريع) خاصّة في آيات الأحكام ممّا يساعد الفقهاء على نقل الحكم من الواقعة الجزئيّة أو السبب الخاصّ، وتعميمه على الوقائع المشابهة، وذلك بالاستناد إلى (دوالّ) في بنية النصّ ذاته تساعد على نقل الدلالة من الخاص والجزئي إلى العامّ والكلّي.

ومن أبرز مفردات هذا العلم ممّا له صلة مباشرة بنظريّة النصّ والسّياق القاعدة المعروفة لدى علماء القرآن: = العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص سبب النزول =. وقد ناقش

(1) السيوطي (أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبو بكر السيوطي) ت (911هـ) ، الإتقان في علوم القرآن، ط 3، دار الكتب العلمية / بيروت / لبنان / 1995، 1/ 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت