بالواقع، ثمّ إنّ إهدار السبب في كلّ نصوص القرآن بحجّة عموم اللفظ من شأنه أن يؤدّي إلى إهدار حكمة التدرّج بالتشريع في قضايا الحلال والحرام، وإنّ مناقشة دلالة النصوص من خلال ثنائيّة عموم اللّفظ وخصوص السبب أمر يتعارض مع طبيعة العلاقة بين النصّ اللّغوي وبين الواقع الذي ينتج هذا النصّ. = فالنصّ ينتج داخل سياق الفكر والثقافة، وتنتمي دوالّ النصّ وعلاماته إلى النظام اللّغوي الذي يعدّ نظاما خاصّا داخل نظام الثقافة، وإن كان هو النظام المركزي = [1] . وفي النصوص تتفاعل نظم دلاليّة ثانويّة داخل النظام العام للنصّ، فنجد دوالّ تتجاوز إطار الوقائع الجزئيّة، ونجد دوالّ أخرى تشير إلى الوقائع الجزئيّة، ولا تتجاوزها، ولكنّ النصوص الممتازة تتضمّن أيضا دوالّ ذات طبيعة عامّة تمكّن العصور المختلفة من قراءة النصوص، واكتشاف دلالات مغايرة لها. فالشافعي يقول: = اللفظ بيّن في مقصوده، ويحتمل في غير مقصوده = [2] . ويضرب المنتصرون [9] لفكرة أنّ = العبرة بخصوص السبب لا بعموم النزول = مثلا بالآية الكريمة {= الَّذِينَ قََالَ لَهُمُ النََّاسُ إِنَّ النََّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزََادَهُمْ إِيمََانًا =} [3] . ويرون أنّه ليس من المتصوّر أن يكون لفظ (الناس) في هذا النصّ دالا على (جميع الناس) وإلّا كان جميع الناس قائلين (لجميع الناس) إنّ (جميع الناس) قد جمعوا لكم. إنّ بنية النصّ ذاته تؤكّد على خصوص مدلول (الناس) في كلّ لفظ من هذه الألفاظ، بحيث يكون القائلون غير المخاطبين غير الغائبين، وهي مستويات الضمائر في منطوق الآية. إنّ الألف واللام في كلمتي (الناس)
(1) نصر حامد أبو زيد، مفهوم النصّ في دراسة علوم القرآن، ط 3، المركز الثقافي العربي / بيروت / والدار البيضاء / 1996، ص 107.
(2) الشافعي، الرسالة، ص 53.
(9) منهم من القدامى جمع من المفسّرين كالزمخشري، وعدد من مؤلّفي دراسات القرآن ومن المحدثين الأستاذ سيّد قطب رحمه الله، ونصر حامد أبو زيد، على اختلاف ما بينهما من منهج التناول للمسألة.
(3) سورة آل عمران، الآية (173) .