فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 509

المتدرّجة المنوطة بأسبابها للمتربيّن ولذا كان للقرآن / النصّ، أثره الواضح والمباشر في تغيير مفاهيم المتلقّين، لأنّه كان يتنزّل وفق وقائع حياتهم وأسئلتهم، وهذا يدعم النظرة الحديثة للنصّ والعالم. ومن هنا يدعو أحد المشتغلين بعلوم القرآن من المحدثين، المربّين في مجال الحياة التربويّة التعليميّة، والعاملين في التوجيه والإرشاد = أن يستفيدوا من سياق أسباب النزول في التأثير على الطلّاب والدارسين = [1] .

وإذا كان اهتمام الفقهاء قد انصبّ أساسا على النصوص الخاصّة بالأحكام دون ما عداها من النصوص، فإنّ طرائقهم في تحليل النصوص لاستقطار دلالتها، تعدّ طرائق هامة فيما يرتبط بمنهج التحليل اللّغوي للنصوص بشكل عام، ويعلّمنا هذا المنهج أنّ السعي لاكتشاف دلالة النصّ لا يجب أن يفصل بين النصّ وبين الوقائع التي يعبّر عنها، ولكنّه لا يصحّ أن يقف عند حدود هذه الوقائع، دون أن يدرك خصوصيّة الأداء اللّغوي في النصّ، وقدرتها على تجاوز الوقائع الجزئيّة.

إنّ استيعاب النصوص للوقائع الجديدة لا بدّ أن يستند إلى دوال إمّا في بنية النصّ وإمّا في السياق الاجتماعي لخطابه، أي في أسباب النزول. وقد أدرك عمر بن الخطاب حكمة التشريع الذي يعطي للمؤلّفة قلوبهم نصيبا من الزكاة، لا من بنية النصّ ذاته، بل من السياق العام للنصّ، فأدرك أنّ حكمة هذا التأليف تقوية الإسلام الذي كان ضعيفا، ومع قوّة الإسلام وسيطرته على الجزيرة العربيّة، وامتداده إلى ما وراءها لم يعد ثمّة حكمة في إعطاء جزء من الزكاة لمن لا يستحقّها، وبالفهم نفسه من جانب عمر لحكمة فرض حدّ السرقة، لم يقم هذا الحد على العبدين اللّذين سرقا من سيّدهما الذي كان يجيعهما، وهدّد ابن الخطاب السيّد نفسه بقطع يده لو عاد العبدان للسرقة مرة أخرى.

وكذلك نرى هذا الفهم في طرائق المفسّرين في التعامل مع النص القرآني.

إنّ التمسّك بقاعدة = العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سبب النزول = هكذا على إطلاقها لا يتّفق مع مقاصد الشريعة التي لا تبرز إلّا من خلال دراسة علاقة النصّ

(1) منّاع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت