حاجات البشر وتدريج التشريع على أولئك العباد، يبقى النصّ منسجما متّسقا ولاحظ قوله (وكلام الله واحد لا اختلاف فيه) ويبقى الاختلاف في دائرة تفاعل المخاطبين مع النصّ الواحد المتّسق المنسجم. ثمّ إنّ النسخ مظهر لاتّصال النّص مع الوقائع، ومعالجتها معالجة مباشرة، ولا بدّ أن تظهر آثار هذا الاتّصال داخل النصّ القرآني، فأيّ معنى أن ينزل النصّ حول حادثه لم تقع بعد؟ يقول مكّي بن أبي طالب حول هذه القضية = مع أنّه كان إنزاله القرآن غير جملة أخفّ في التعبّد، فلو نزل العرض كله جملة واحدة لصعب العمل به، ولسبق الحوادث التي من أجلها نزل كثير من القرآن، فغير جائز أن ينزل قرآن في حادثة يخبر عنها بالحدوث ويحكم فيها وهي لم تقع، فافهم ذلك فهو الأصل الذي يبنى عليه الناسخ والمنسوخ = [1] .
وقريب من هذا ما قاله ابن الجوزي في كتابه (نواسخ القرآن) = إنّ التكليف لا يخلو أن يكون موقوفا على مشيئة المكلّف أو على مصلحة المكلّف، فإن كان الأوّل فلا يمنع أن يريد تكليف العباد عبادة في مدّة معلومة ثم يرفعها ويأمر بغيرها. وإن كان الثاني فجائز أن تكون المصلحة للعباد، في فعل عبادة زمان دون زمان = [2] . ويستفاد من النصوص السابقة ما يلي:
1 -النصّ القرآني وحدة واحدة لا تتجزّأ وكلام الله واحد وليس متعدّدا، وهو بهذا يعامل معاملة النّص الواحد الكامل مع أنّه نزل منجّما، أو حدث فيه نسخ للأحكام أو الألفاظ.
2 -النّص القرآني متّسق، لا اختلاف فيه ولا تباين، أو تناقض بين أجزائه، فهو يمتلك جميع خصائص النّص الكامل من حيث التماسك والترابط، وهذه الخصيصة (النصيّة) تلازمه في جميع مفرداته، بما فيها ناسخه ومنسوخه إن ثبت أن فيه نسخا (الاتّساق الداخلي للخطاب) .
(1) ابن الجوزي، نواسخ القرآن، ص (1514) .
(2) مكّي بن أبي طالب، الايضاح، ص: 58.