3 -وجود الناسخ والمنسوخ يجب أن يراعى فيه (زمان الخطاب) أو زمن النّص، وإنّ النّص المتعلّق بإحدى مناسبات النزول يجب أن يرتبط بظروف التنزيل وملابساته، ويجب أن يوضع في فضائه الزماني والمكاني وقت تنزيله (سياق التخاطب) .
4 -النّص يتفاعل مع المخاطبين ويتنزّل بحسب أحوالهم وهذا ما يسمّى بالسياق المقامي أو السياق الثقافي والاجتماعي المحيط بالنّص. وهذا هو انسجام النّص مع السياق المقامي. وإذن فقد تجمّع لدينا من خلال موضوع (الناسخ والمنسوخ) جميع عناصر نظرية النّص والسياق، وهي النّص الكامل بجميع عناصره، الاتّساق الداخلي والتماسك، الانسجام مع السياق (السياق اللغوي والسياق المقامي) .
ويعالج (مكّي بن أبي طالب القيسي) في باب (بيان شروط الناسخ والنسوخ) علاقة الناسخ والمنسوخ بالشرائع السابقة، ويرى أنّها يجب أن لا توضع في الناسخ والمنسوخ يقول: = وقد أدخل أكثر المؤلّفين في الناسخ والمنسوخ آيات كثيرة وقالوا: نسخت ما كانوا عليه من شرائعهم، وكان حقّ هذا ألّا يضاف إلى الناسخ والمنسوخ، لأنّا لو اتبعنا هذا النوع لذكرنا القرآن كلّه في الناسخ والمنسوخ = وهذا خروج عما نقصد إليه من هذا العلم = [1] . ويستفاد من ذلك أنّ النّص القرآني نصّ واحد متّصل، ارتبطت آية بأمّة جديدة، وبظروف تنزيل مختلفة عن الشرائع السابقة، وعالجت سياقا ثقافيا واجتماعيّا مختلفا ولذلك لا يجوز أن ندرس الناسخ والمنسوخ في أطر زمانيّة سابقة لنزول القرآن، وليس معنى هذا أنّ قراءة هذا النّص موقوفة على ظروف تنزيله فقط بل هو نصّ لغوي يمتلك دوال متعدّدة تمكّن القارئ من قراءته في إطار النظرة الشاملة (للعالم) . ولكن ينبغي علينا قراءته في ضوء علاقة النّص بالمخاطبين (المكلّفين) وفقا لظروف السياقات المختلفة المحيطة بهذا النّص، لأنّه نصّ لغويّ (بلسان عربي مبين) نزل وفق سنن العربيّة، التي تقتضي هذا التناغم والانسجام بين النّص والمقام، إضافة لأنّ ذلك يحقّق (مصلحة العباد) التي أشار إليها (مكّي بن أبي طالب) وغيره من دارسي موضوع الناسخ والمنسوخ.
(1) مكي بن أبي طالب، الإيضاح، ج 1/ 59.