وفي شرط آخر من شروط النسخ يذكر مكّي بن أبي طالب من شروط الناسخ أن يكون منفصلا من المنسوخ، منقطعا عنه، فإن كان متّصلا به غير منقطع عنه لم يكن ناسخا لما قبله ممّا هو متّصل به = [1] . وهاهنا تأكيدا آخر على اتّساق الخطاب وانسجامه، فوجود التناقض يفسد انسجام الخطاب ويفسد تناسقه، لتغاير الخطاب أو النصّ مع الحقيقة الواقعة خارجه من جهة، ولوجود تعارض بين بعض مكوّنات النص الدلالية، وهذا ممّا يفسد (النصيّة) .
وقد ناقش د. نصر حامد أبو زيد مسألة النسخ في كتابه (مفهوم النصّ) وينطلق من معنى النسخ ويحدّده بأنّه إبدال نصّ بنص مع بقاء النصّين، وعلى ذلك يصعب تقبّل كثير من النصوص والأنواع التي يوردها العلماء داخل قضيّة الناسخ والمنسوخ، ثمّ بعد ذلك يعرّج على وظيفة النسخ وهي التدرّج في التشريع خطوة خطوة، فالقرآن وحي انطلق من حدود الواقع، ولا بدّ أن يراعي في نصوصه هذا الواقع، وقد قارب العلماء القدماء هذا الفهم وعبّروا عنه بلغة عصرهم. ويرى أنّه لا يجوز إغفال البعد الآخر للنّص وهو الواقع والمتلقّون، ذلك أنّ الأحكام الشرعيّة أحكام خاصّة بالبشر في حركتهم داخل المجتمع، ويرى أنّ كثيرا من علماء القرآن قد غالوا في النماذج التي عدّوها من الناسخ والمنسوخ، وخلطوا في ذلك بين أدوات التخصيص اللّغوي داخل الآية الواحدة، وبين تغيير الحكم لتغيّر الظروف والملابسات. ثمّ يتناول عددا من الأمثلة يعدّها بعض علماء القرآن من المنسوخ، ويوضح من خلال سياقها أنّها آيات محكمة، وأنّ المقصود بها خلاف ما فهمه أولئك.
ويعالج أبو زيد مسألة أنماط النسخ، ومنها نسخ نصوص من القرآن بنصوص من السنة، ويذكر خلاف العلماء حول هذه المسألة، ويرى أنّ موقف الشافعي [9] هو أقرب
(1) مكي بن أبي طالب، الإيضاح، ج 1/ 59.
(9) يقول الشافعي: = حيث وقع نسخ القرآن بالسنّة فمعها قرآن عاضد لها، وحيث وقع نسخ السنّة بالقرآن فمعه سنّة عاضدة ليتبيّن توافق القرآن والسنّة =، الرسالة، الشافعي، ص 141.