فأول إحساني إليكم تَخَيُّري ... لماجدة الأعراق بادٍ عفافُها (1)
وقال أبو عمرو بن العلاء: =قال رجل: لا أتزوج حتى أنظر إلى ولدي منها.
قيل له: كيف ذاك.
قال: أنظر إلى أبيها وأمها؛ فإنها تَجُرُّ بأحدهما+ (2) .
وقال أكثم بن صيفي لولده: =يا بني! لا يحملنكم جمالُ النساء عن صراحة النسب؛ فإن المناكح الكريمة مدرجة الشرف+.
ومع عظم شأن الزوجة الصالحة، ومع أهمية العناية باختيارها_ إلا هناك تفريطًا كبيرًا في هذا الشأن؛ فكما أن هناك من لا يأبه بذات الدين والخلق إذا أراد الزواج.
فهناك من يُحكِّم المصلحة المالية دون اعتبار لأي شيء آخر؛ فلا يعينه ممن يريد الاقتران بها غلا أن تكون ذات ثروة، أو أن تكون ابنة لثري.
وهناك من يقدم الحسب الرفيع، والشهرة الذائعة؛ فذلك منتهى سؤله، وغاية طموحه.
وهناك _وهو الأكثر_ من لا يريد من شريكة حياته غلا أن تكون بارعة الجمال، ممشوقة القوام، وإذا فاته ذلك قال: على الدنيا العفاء.
والحقيقة أن هذه المعايير والاعتبارات لا تكفي وحدها؛ لأنها نظرة مادية بحتة؛ فلا تحصل معها السعادة الحقة؛ لأنها لا دوام لها؛ فما بني على ما يتغير ويتبدل فهو عرضة للزوال؛ فالثروة تتبدد، والمال عرض حائل؛ فكم من الأغنياء من أصبحوا فقراء بين عشية وضحاها، وكم من الفقراء من أصبحوا أغنياء ما بين طرفة عين وانتباهتها.
فلا يدري الفقير متى غناه ... ولا يدري الغني متى يعيل
إن المال يتهدده الزوال السريع، والخسارة المتوقعة، ثم ما علاقة السعادة بالمال؟
إن هناك وهمًا كبيرًا يسيطر على كثير من الناس؛ حيث يحسبون السعادة قائمة على الغنى والمال.
(1) أدب الدنيا والدين ص 132.
(2) عيون الأخبار 4/ 3.