ومن هنا يتبن لنا السر في الإسلام قد فضل الدين على غيره من الاعتبارات في الزواج؛ فعن أبي هريرة ÷أن النبي"قال: =تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك+ (1) ."
فَفَضْل الدين على المال والحسب والجمال من جهة أنه يضمن الأخلاق المهذبة، والآداب الراقية، ويجمع لصاحبته الصيانة من أطرافها.
والمراد من الحديث أن الناشئة في حلية الدين_ وإن لم تكن بارعة الجمال_ تفضل غيرها ممن لم تَتَحَلَّ بالدين وإن كانت موسرة، أو حسبة، أو فائقة الجمال (2) .
قال النووي×في معنى هذا الحديث: =ومعناه أن الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنت على ذات الدين، واظفر بها، واحرص على صحبتها+ (3) .
وقال المنذري ×: =تربت يداك: كلمة مشتركة معناها الحث والتحريض.
وقيل: هي هنا دعاء عليه بالفقر، وقيل: بكثرة المال، واللفظ مشترك بينهما قابل لكل منهما، والآخر أظهر، ومعناه: اظفر بذات الدين، ولا تلتفت إلى المال أكثر الله مالك+ (4) .
وقال ابن الأثير ×: =ترب الرجل إذا افتقر أي لصق بالتراب، وأترب إذا استغنى.
وهذه الكلمة جارية على السنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر به، كما يقولون: قاتله الله، وقيل: هنا لله درك+ (5) .
ومما ينبغي التنبيه عليه أن الإسلام _حين حث على الظفر بذات الدين_ لا ينعى على من التفت بعد ذلك إلى الحسيبة الجميلة ذات المال، ولا يأمر الرجل أن يتزوج بامرأة فقيرة دميمة وضيعة.
ولكنه يريد ذات الدين التي أخذ حظها من الجمال والشرف؛ فذلك أحب إلى البعل، وأعف له، وأغض لبصره، واجمع لشتات قلبه.
(1) رواه البخاري (5090) ومسلم (1466) .
(2) انظر الهداية الإسلامية للشيخ محمد الخضر حسين ص 56.
(3) رياض الصالحين للنووي ص 172.
(4) الترغيب والترهيب للمنذري 4/ 116.
(5) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 1/ 184.