وضابط ذلك ما ورد في الحديث الآخر عن جابر بن عتيك الأنصاري _ رفعه =أن من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله؛ فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض فالغيرة في غير ريبة+ (1) .
وهذا التفصيل يتمحض في حق الرجل؛ لضرورة امتناع اجتماع زوجين للمرأة بطريق الحلّ.
وأما المرأة فحيث غارت من زوجها في ارتكاب محرم، إما بالزنا مثلًا، وإما بنقص حقها، وجوره عليها لضرتها، وإيثارها، فإذا تحققت ذلك أو ظهرت القرائن _ فهي غيرة مشروعة؛ فلو وقع ذلك بمجرد التوهم من غير دليل فهي الغيرة في غير ريبة.
وأما إذا كان الزوج مقسطًا عادلًا، وأدى لكل من الضرتين حقها فالغيرة منهما إن كانت لما في الطباع البشرية التي لم يسلم منها أحد من النساء _ فتُعذر فيها، ما لم تتجاوز إلى ما يحرم عليها من قول أو فعل.
وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف الصالح من النساء في ذلك+ (2) .
فالغيرة _ إذًا _ ليست شرًَّا دائمًا، وإنما الشر فيما كان مبالغًا فيه من الغيرة؛ فغيرة المرأة على الرجل هي _ في الحقيقة _ إحساس صادق لمدى حبها له، وهي في الوقت نفسه صورة معبرة عن حرصها على الاستئثار به، وهي كذلك حالة نفسية تعبر عن خوف المرأة على مستقبلها في الحياة؛ فهذا المزيج من الحب الخالص، والأثرة المفرطة، والخوف الزائد _ يصنع في المرأة عاطفة الغيرة.
إن شعور المرأة بحبها لزوجها قد يدفعها إلى إسعاده، وتهيئة الجو المناسب لتحقيق آماله.
غير أن إحساسها بحبها لنفسها، وخوفها على مستقبلها في الحياة قد يقودها إلى فرض القيود على زوجها الذي أحبته؛ مؤملة بذلك أن يكون خيره كله لها، ولأولادها.
(1) رواه النسائي في الكبرى (2339) ، وفي المجتبى (2558) ، وأبو داود (2659) ، والدارمي (2226) ، وابن حبان في صحيحه (295) و (4762) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5905) .
(2) فتح الباري 9/ 237.