فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 225

قال ابن الجوزي ×: =وعن عبدالملك بن عمير قال: زوّجَ عوف بن ملحم (1) الشيباني ابنته من إياس بن الحارث بن عمرو الكندي، فلما جُهّزَت وحضرت؛ لتحمل إليه دخلت عليها أمُّها أمامةُ؛ لتوصيها فقالت: يا بنية! إن الوصية لو تركت لفضل في الأدب، أو مكرمة في الحسب _ لتركتُ ذلك، ولزويتُها عنك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعرفة للعاقل.

أي بنيَّة! لو استغنت المرأة عن زوجها بغنى أبيها، وشدة حاجتها إليه _ لكنت أغنى الناس عنه، إلا أنهن خُلِقْنَ للرجال كما لهن خُلِقَ الرجال.

أي بنيَّة! إنك قد فارقت الجوَّ الذي منه خرجتِ، والعشَّ الذي فيه دَرَجْتِ، إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، أصبح بمُلكه عليك مليكًا؛ فكوني له أمَةً يكن لك عبدًا، احفظي منه خصالًا عشرًا تكن لك دركًا وذكرًا.

أما الأولى والثانية: فالصحبة بالقناعة، والمعاشرة له بحسن السمع والطاعة؛ فإن في القناعة راحة القلب، وفي حسن السمع والطاعة رضى الرب.

وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لموضع أنفه، والتعاهد لموضع عينيه؛ فلا تقع عينه منك على شيء قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، وإن الكحل أحسن الموجود، والماءَ أطيبُ الطيب المفقود.

أما الخامسة والسادسة: فالتعاهد لموضع طعامه، والتفقد له حين منامه؛ فإن حرارة الجوع مَلْهبة، وإن تنغيص النوم مَغْضبة.

وأما السابعة والثامنة: فالإرعاء على حَشَمِه وعياله، والاحتفاظ بماله؛ فإن أصل الاحتفاظ بالمال حُسْن التقدير، والرعاء على الحشم والعيال حُسْن التدبير.

أما التاسعة والعاشرة: فلا تُفشي له سرًَّا، ولا تعصي في حال له أمرًا؛ فإنك إن أفشيتِ سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره.

ثم اتقي يا بنية الفرحَ لديه إذا كان ترِحًا، والاكتئاب إذا كان فرحًا؛ فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير.

(1) مُلْحم، ويقال: مُحَلّم كما في رواية العقد الفريد 6/ 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت