فبعض النساء تقوم بواجب زوجها طالما أنه في حال صحته، وشبابه، وغناه، ومكانته المرموقة.
فإذا زلت به القدم؛ فمرض بعد صحة، أو افتقر بعد غنى، أو نزل بعد رفعة، أو هرم بعد شباب _ تنكرت له، وقلبت له ظهرت المجن، فلم تعد تصافيه، أو تُعنى بشأنه، أو تمحض له صفو الوداد.
وما ذلك بطبع الكريمات وعُقْليات النساء؛ ذلك أن الثبات على صدق الوفاء من أفضل ما تتحلى به النساء.
ولهذا درجت المرأة المسلمة على مواتاة زوجها، ومصافاته، واستخلاص نفسها له، واحتمال نبوة الطبع منه.
وأكثر ما كان صفاء نفسها وسماح خلقها، وعذوبة طبعها _ إذا تبدلت حال الزوج من أعلى إلى أدنى، كأن يُرزأ في ماله، أو ينكب في قوته، أو أن يصاب بجاهه ومنصبه، أو أن يبتلى بصحته وعافيته.
بل لقد كان وفاؤها له بعد عفاء أثره، وامّحاء خبره _ عديلَ وفائها له وهي بين أفياء نعمته، وأكناف داره.
وكان إيثارُ الإسلام له بمدّ حدادها عليه أربعة أشهر وعشرة أيام، لا تتجمل في أثنائها، ولا تفارق دارها إلى دار أبيها _ سنةً من سنن هذا الوفاء، وآية من آياته.
لذلك كانت المرأة المسلمة الوفية ترى الوفاء لزوجها بعد موته آثر مما تراه لأبيها وأمها وذوي قرابتها؛ فكانت تؤثر فضائله، وتذكر شمائله في كل موطن ومقام (1) .
تقول الذلفاء ترثي زوجها نجدة بن الأسود:
سئمت حياتي حين فارقت قبره ... ورحت وماء العين ينهل هامله
وقالت نساءُ الحيّ قد مات قبله ... شريف فلم تهلك عليه حلائله
صدقن لقد مات الرجال ولم يمت ... كنجدة من إخوانه من يماثله (2)
ويكفي في هذا المقام مثالًا على صدق الوفاء الذي ينبغي للمرأة المسلمة أن تجعله نصب عينها _ ما كان من فاطمة بنت عبدالملك مع زوجها عمر بن عبدالعزيز، وإليك ذلك الخبر:
(1) انظر عودة الحجاب 2/ 531.
(2) الهداية الإسلامية للشيخ محمد الخضر حسين ص 60.