(إن الرجل إذا مات بغير مولده) أي: مات بأرض غير الأرض التي ولد فيها، مات بها غريبا.
(فقيس له) بالبناء للمفعول يعني أمر الله الملائكة أن تقيس، أي: تذرع له من مولده أي: المكان الذي ولد فيه (إلى منقطع) بفتح الطاء (أثره) أي: إلى موضع قطع أجله سمي الأجل أثرا لأنه يتبع العمر قال:
والمرء ما عاش ممدود له أجل. . . لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأجل
وأصله من أثر مشيه في الأرض فإن مات لا يبقى له أثر فلا يرى لأقدامه أثر.
قوله (في الجنة) متعلق بقيس يعني من مات في غربة يفسح له في قبره مقدار ما بين قبره وبين مولده ويفتح له باب إلى الجنة، ومن البين أن هذا الفضل العظيم لمن لم يعص بغربته". انتهى بتصرف من"فيض القدير"2/ 336."
ما أعظم هذا الفضل والجزاء لمن مات غريبا، فقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم في رجل من أهل المدينة، ومن المعلوم فضل سكنى المدينة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا، أو شهيدا يوم القيامة".
رواه مسلم (1363) والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا في أقوام سيتركون المدينة إلى غيرها، رغبة في الرخاء، ولو يعلم هؤلاء فضل سكنى المدينة وأنه خير لهم لما تركوها إلى غيرها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده، لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير، تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد"أخرجه مسلم (1381) ، وقد صرف السندي رحمه الله تعالى حديث الباب عن ظاهره، فقال:"لعله صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك (يا ليته مات بغير المدينة) ، بل أراد يا ليته كان غريبا مهاجرا إلى المدينة ومات بها، فإن الموت في غير مولده فيمن مات بالمدينة كما يتصور بأن يولد في المدينة ويموت في غيرها - كذلك يتصور بأن يولد في غير المدينة ويموت بها، فليكن التمني راجعا إلى هذا الشق حتى لا يخالف الحديث حديث فضل الموت بالمدينة المنورة".
قال العلّامة الألباني رحمه الله تعالى في"صحيح الترغيب والترهيب"3/ 214: