فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 336

(كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) هذا إرشاد نبوي كريم، ووصية عظيمة ينبغي ألا تغيب لحظة عن السائرين إلى الله، والراغبين في مرضاته، فإن المتأمل في حقيقة الدنيا، يعلم أنها لم تكن يوما دار إقامة أبدية - وإن كان ظاهرها يوحي بنضارتها وجمالها - إلا أن حقيقتها فانية، ونعيمها زائل، كالزهرة النضرة التي سرعان ما يذهب بريقها وجمالها، فبعد قليل ينكشف البهرج، وينكب الزغل، نعم تلك هي حقيقة الدنيا التي غرّت كثيرًا من الناس بزينتها وزخرفها، فاطمأنوا إليها ورضوا بها وفرحوا، وأعرضوا عن الآخرة ونسوها، وألهتهم دنياهم عن آخرتهم، ولسان حالهم يقول: إنهم مخلّدون فيها ولا يكدّر سعادتهم أي شيء، وجهلوا أنها لا تصفو فيها سعادة، ولا تدوم فيها راحة، ولا يُخلَّدُ فيها أحدٌ، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد".

أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عمر رضي الله عنه.

فكيف لعاقل أن يتخذها وطنا له، ومحلا لإقامته، فيعمرها بخراب آخرته، حتى إذا جاء أمر الله انكشف له حقيقة زيفها، وتبين له أنه كان يركض وراء سراب لا حقيقة له: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} .

وكان أعلم الناس بحقيقة هذه الدنيا يقول:

"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"صلى الله عليه وسلم.

قال ابن رجب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت