قال الآجري في"الغرباء" (ص: 24 - 26) :
"كان الناس قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم أهل أديان مختلفة، يهود ونصارى ومجوس وعبدة أوثان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم من كل طبقة منهم غريبا في حيه، غريبا في قبيلته، مستخفيا بإسلامه، قد جفاه الأهل والعشيرة، فهو بينهم ذليل حقير، محتمل للجفاء، صابر على الأذى، حتى أعز الله عز وجل الإسلام، وكثر أنصاره وعلا أهل الحق، وانقمع أهل الباطل، فكان الإسلام في ابتدائه غريبا بهذا المعنى، وقوله صلى الله عليه وسلم (وسيعود غريبا) معناه - والله أعلم - أن الأهواء المضلة تكثر فيضل بها كثير من الناس، ويبقى أهل الحق الذين هم على شريعة الإسلام غرباء في الناس لقلتهم، ألم تسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم"تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، فقيل: من هي الناجية؟ فقال: ما أنا عليه وأصحابي"."
وبقوله صلى الله عليه وسلم"مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا يد لك به فعليك بخاصة نفسك وإياك وعوامهم، فإن فيهم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر".
فهذه صفة من صفات الغريب الصابر على دينه حتى يسلم من الأهواء المضلة، ومن صفة الغرباء أيضا التي نعت بها أهل الحق، أن يكون الغالب على الناس في جميع أمورهم مثل مؤاخاة الإخوان، وصحبة الأصحاب، ومجاورة الجيران، وصلة الأرحام، وعيادة المرضى وشهود الجنائز، وما يجري عليهم من المصائب، وما يسرون به من الأفراح بالدنيا والمتاجرة والمعاملة والمحبة والبضعة والمزاورة والملاقاة والمجالسة والاجتماع في الولائم وأشباه لهذه الأمور، فإن جميع ذلك يجري بينهم على خلاف الكتاب والسنة لغلبة الجهل عليهم ولدروس العلم فيهم، فإذا أراد المؤمن العاقل الذي قد فقهه الله عز وجل في الدين وبصره عيوب نفسه، وقبيح ما الناس عليه ورزقه معرفة بالتمييز بين الحق والباطل، وبين الحسن والقبيح وبين الضار والنافع، وعلم ما له مما عليه إذ ألزم نفسه العمل بالحق بين ظهراني من قد جهل الحق، بل الغالب عليهم اتباع الهوى، لا يبالون ما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم، فإذا نظروا إلى من يخالفهم على طريقتهم ثقل ذلك عليهم فمقتوه وخالفوه وطلبوا له العيوب، فأهله به متضجرون، وإخوانه به متثقلون، ومعاملوه به غير راغبين في معاملته، وأهل الأهواء له على مذهب الحق مخالفون، فصار غريبا في دينه لفساد دين أكثر الخلق غريبا في معاملته لكثرة فساد معاش أكثر الخلق، غريبا في مؤاخاته وصحبته، لكثرة فساد صحبة الناس ومؤاخاتهم، غريبا في جميع أمور الدنيا والآخرة، لا يجد على ذلك مساعدا يفرح به ولا مؤانسا يسكن إليه، فمثل هذا غريب مستوحش لأنه صالح بين فساق، وعالم بين جهال، وحليم بين سفهاء، يصبح حزينا، ويمسي حزينا، كثير غمه قليل فرحه، كأنه مسجون كثير البكاء كالغريب الذي لا يعرف ولا يأنس به أحد، يستوحش منه من لا يعرفه فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (وسيعود غريبا كما بدأ) والله أعلم.