فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 336

قلت: فلو تشاهده في الخلوات يبكي بحرقة، ويئن بزفرة، ودموعه تسيل بعبرة، فلو رأيته وأنت لا تعرفه لظننت أنه ثكلى قد أصيب بمحبوبه، وليس كما ظننت، وإنما هو خائف على دينه أن يصاب به، لا يبالي بذهاب دنياه إذا سلم له دينه، قد جعل رأس ماله دينه يخاف عليه الخسران، كما قال الحسن رحمه الله: رأس مال المؤمن دينه، حيث ما زال، زال معه، لا يخلفه في الرحال، ولا يأتمن عليه الرجال.

قلت: وللغريب أوصاف كثيرة، قد ذكرت منها ما يكتفي به عن الكثير من القول"."

وقال ابن القيم في"مدارج السالكين"3/ 186:

"وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم، ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا، فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده."

فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، بل وآنس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت