قوله صلى الله عليه وسلم (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة) قاله في بناء مسجده، وقاله في أشد أحواله وهو يحفر الخندق مع أصحابه، ولما رأى تعبهم في حفره، وقاله في أسرّ أحواله لما رأى كثرة المؤمنين في يوم عرفة، لبيك إن العيش عيش الآخرة.
أي: الحياة الدائمة التي لا حزن فيها ولا تعب، وإن عيش الدنيا الذي شغف به الناس - إلا مَنْ رحم الله تعالى - ليس بشيء إنما العيش هو عيش الآخرة الذي شغلوا عنه، فهنالك يكمل طيب العيش ونعيمه لا في الدنيا، فلا غرو أن يردده النبي صلى الله عليه وسلم ويتمثّل به في الحزن والتعب والشدة والسرور، فليكن عيش الغريب فيها قوتًا ويتزوّد منها لآخرته، فإنه لا عيش يسعد به صاحبه وتدوم سعادته إلا عيش الجنة دار الخلود، وأما عيش الدنيا فإنه مهما طاب وحسن فإنه زائل لا محالة، وما كان كذلك فكل عيش، وجوده وعدمه سواء.
قال ابن بطال:
"نبه بذلك أمته على تصغير شأن الدنيا وتقليلها، وكدر لذاتها وسرعة فنائها، وما كان هكذا فلا معنى للشغل به عن العيش الدائم الذي لا كدر في لذاته، بل فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين".
قال الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا}
إننا نعيش في هذه الدنيا إلى أجَلٍ معدود، وإن الدنيا بأكملها بزينتها وزُخرفها، لا تساوي عند الله جَناح بعوضة، وهي أيضًا مطبوعة على النقص، فلا تمام لشيء فيها أبدًا، فلا سعادة تدوم لصاحبها، ولا غنى يدوم لصاحبه، ومهما ذاق الإنسان من حلاوتها فإنها زائلة من بين يديه، أو هو سيزول عنها، إلا حلاوة الطاعة والإيمان، فهي الباقية إلى يوم الدين، وهي التي تنفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلبٍ سليم.