فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 336

ولقد مثّل النبي صلى الله عليه وسلم أن الدنيا أهون وأحقر عند الله تعالى لنا من جدي أسك - أي مقطوع الأذنين - ميت، فقد روى مسلم (2957) من حديث جابر رضي الله عنه

"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، داخلا من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا، كان عيبا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟!"

فقال: فوالله للدنيا أهون على الله، من هذا عليكم"."

فهل يحرص عليها مؤمن وهذا حالها، لا والله لا يحرص ويأسف عليها إلا مغرور، غرّته بزخرفها الفاني، ولا هو حال من أيقن بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى. روى البخاري (6415) و (3250) من حديث سهل بن سعد مرفوعا:"موضع سوط في الجنة، خير من الدنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روحة، خير من الدنيا وما فيها".

وروى مسلم (2858) من حديث المستورد بن شداد مرفوعا:"والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار يحيى بالسبابة - في اليم، فلينظر بم ترجع؟".

قال القرطبي:

"هذا نحو قوله تعالى {قل متاع الدنيا قليل} وهذا بالنسبة إلى ذاتها وأما بالنسبة إلى الآخرة فلا قدر لها ولا خطر وإنما أورد ذلك على سبيل التمثيل والتقريب، وإلا فلا نسبة بين المتناهي وبين ما لا يتناهى، وإلى ذلك الإشارة بقوله فلينظر بم يرجع، ووجهه أن القدر الذي يتعلق بالإصبع من ماء البحر لا قدر له ولا خطر، وكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة، والحاصل أن الدنيا كالماء الذي يعلق في الأصبع من البحر والآخرة كسائر البحر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت