فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 336

قوله صلى الله عليه وسلم (الدنيا سجن المؤمن) فإنه، وإن كان في نعمة فالجنة خير له منها (وجنة الكافر) إنه وإن كان في مقيتة فالنار شر له منها.

أو يقال: المؤمن ممنوع من شهواتها المحرمة فكأنه في السجن، والكافر عكسه فهي كالجنة له.

قال النووي:

"معناه أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم والراحة الخالصة من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد".

وإن المؤمن يقيده تقواه عن مواقعة المحظورات، فكأنه في سجن عنها، فهو مسجون برمق الحياة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا سجن الْمُؤمن وسنته، فالآدمي إِذا أَسِنَت ضاقت عليه المعيشة واشتَدَّ العيش فهو ينتظر الخصب والسعَة، والمسجون وإِن أحاطت به نعم الدنيا في سجنه فعينه شاخصة إِلى باب السجن متى يخلى عنه فيخرج منه.

قال الطيبي في"الكاشف عن حقائق السنن"10/ 3273 (5159) :

"قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي: إن السجن والخروج منه يتعاقبان على قلب العبد المؤمن على توالي الساعات ومرور الأوقات، لأن النفس كلما ظهرت بصفاتها أظلم الوقت على القلب حتى ضاق وانكمد، وهل السجن إلا تضييق وحجر من الخروج والولوج، فكلما هم القلب بالتبرؤ عن مشائم الأهواء الدنيوية، والتخلص عن قيود الشهوات العاجلة تسببا إلى الآجلة، وتنزها في قضاء الملكوت ومشاهدة للجمال الأزلي، حجزه الشيطان المردود عن هذا الباب المطرود بالاحتجاب، فتدلى بحبل النفس الأمارة إليه فكدر صفو العيش عليه، وحال بينه وبين محبوب طبعه، وهذا من أعظم السجون وأضيقها، فإن من حيل بينه وبين محبوبه ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه، ولهذا المعنى أخبر الله تعالى عن جماعة من الصحابة، حيث تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات، فقال تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بم رحبت} الآية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت